الْأَكْمامِ
« 1 » أو ليس اللّه يقول :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
إلى قوله :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ؟ !
« 2 » فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذله لها بالمقال ، وقد قال اللّه عزّ وجلّ :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
« 3 » » .
فقال عاصم : يا أمير المؤمنين ، فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة ، وفي ملبسك على الخشونة ؟ فقال : « ويحك ، إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره » . فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء « 4 » .
* بيان
« الملاء » ثوب ليّن رقيق و « ابتذال النعم بالفعال » أن يصرفها فيما ينبغي متوسّعا من غير ضيق ، وبالمقال أن يدّعي الغنى ويظهر بلسانه الاستغناء بها ، والتّحديث بها يتحقق بكلا الأمرين « أن يقدروا أنفسهم » يقيسونها « والتبيّغ » الهيجان والغلبة .
[ المتن ]
[ 1990 ] 3 . الكافي : مرّ سفيان الثوري في المسجد الحرام ، فرأى أبا عبد اللّه عليه السّلام وعليه ثياب كثيرة القيامة حسان ، فقال : واللّه لآتينّه وأوبخنّه ، فدنا منه ، فقال : يا ابن رسول اللّه ، واللّه ما لبس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل هذا اللباس ولا علي عليه السّلام ولا أحد من آبائك ؟
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في زمان قتر مقتر ، وكان يأخذ لقتره وإقتاره ، وإنّ الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها ، فأحقّ أهلها بها أبرارها » ثمّ تلا :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
« 5 » ، « فنحن أحقّ من أخذ ما أعطاه اللّه ، غير أنّي يا ثوريّ ما ترى علي من ثوب إنّما لبسته للناس » .
ثم اجتذب يد سفيان فجرّها إليه ، ثم رفع الثوب الأعلى وأخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا ، فقال : « هذا لبسته لنفسي ، وما رأيته للناس » ثم جذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ خشن وداخل ذلك ثوب ليّن فقال : « لبست هذا الأعلى للناس ، ولبست هذا لنفسك تسرّها » « 6 » .
هامش
( 1 ) . الرحمن ( 55 ) : 10 - 11 .
( 2 ) . الرحمن ( 55 ) : 19 - 22 .
( 3 ) . الضحى ( 93 ) : 11 .
( 4 ) . الكافي 1 : 410 / 3 .
( 5 ) . الأعراف ( 7 ) : 32 .
( 6 ) . الكافي 6 : 442 / 8 .