بالحق وبكلّ شيء لأنه يرى فيه الحق ويعلم أنّه منه وأنّ مصيره إليه ، لأنه ينظر إلى الأشياء بنور اللّه .
والجاهل مطلوبه إنّما هي اللذّات الفانية التي هي حاجات متعبة وضرورات مزعجة ، فإنّ الأكل والشرب والوقاع وقهر العدوّ ونحوها مثلا إن هي إلّا دفع آلام ورفع كربات وتسكين نيران وإطفاء لهبات من جوع أو عطش أو غلمة « 1 » أو تشفّي غيظ أو نحو ذلك . وإنّما سمّي ما يحصل له عقيب انفعاله عنها فرحا وسرورا من باب الغلط والاشتباه ، لعدم وجدان صاحبه الفرح الحقيقي ، فيحصل بسببه الغرور ، كما قال سبحانه :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
- إلى قوله -
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
« 2 » . بل كلّما نال منها شيئا اهتم في تحصيل آخر ولم يرض به وهكذا ، فهو دائما في غمّ وحزن في تحصيل مأربة ، ومأربة
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
« 3 » .
و « ضدّه الحزن » إنّما كان الحزن من جنود الجهل لأنّه إنّما يكون على ما فات ، والعاقل من حيث هو عاقل لا يتأسّف على ما فاته ، قال اللّه سبحانه :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
« 4 » ، وقال :
إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 5 » .
و « الألفة » يعني بالموافق والمخالف ، قال أستاذنا قدّس سرّه : الوجه في كون الألفة من صفات العقل أنّه جوهر مرتفع الذات عن الجسم والجسمانيات ، وعالمه عالم الوحدة والجمعية ، ومنه يتفرّع كلّ خير ورحمة ، والجهل صفة النفوس المتعلّقة بالأجسام التي وجودها عين قبول الانقسام والافتراق ، ووحدتها عين الكثرة ، ووصلها عين الفصل والمباينة . وكلّ واحد من ذوي النفوس الجزئية قبل أن يستكمل ذاته عقلا بالفعل ، لا يحبّ إلّا نفسه ، بل يعادي غيره ويحسده على ما آتاه اللّه من فضله ، وإذا أحبّ أحدا فإنّما أحبّه ليتوصّل به إلى هواه أو شهوته ، فإذا ارتفعت الأغراض والأعراض من بينهم كما في الآخرة رجعوا إلى ما كانوا عليه من الفرقة والعداوة ، كما قال سبحانه :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
هامش
( 1 ) . الغلمة : هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل « مجمع البحرين : 6 / 127 » .
( 2 ) . الحديد ( 57 ) : 20 .
( 3 ) . النور ( 24 ) : 39 .
( 4 ) . الحديد ( 57 ) : 23 .
( 5 ) . يونس ( 10 ) : 62 .