والاعتراف على طريقة التخييل ، نظير ذلك قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » وقوله عزّ وجلّ :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 2 » . ومعلوم أنّه لا قول ثمّة ، وإنّما هو تمثيل وتصوير للمعنى ، ويحتمل أن يكون ذلك النطق باللسان الملكوتي في العالم المثالي الذي دون عالم العقل ، كما نطق الحصى في كفّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وتنطق الأرض يوم القيامة
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها
« 3 » ، وتنطق الجوارح
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
« 4 » وكلّ شيء مفطور على التوحيد
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 5 » وقوله سبحانه :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ
« 6 » يعني فعل ذلك كراهة أن يقولوا .
وأريد بأولي العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبيّنا صلوات اللّه عليهم .
ولمّا كانوا معهودين معلومين جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصّلا ، وإنّما زاد على أخذ الميثاق على من زاد في رتبته وشرفه ؛ لأن التكليف إنّما يكون بقدر الفهم والاستعداد ، فكلّما زاد زادوا ، وإنّما يعرف مراتب الوجود من له حظّ منها ، وبقدر حظّه منها .
وأمّا آدم عليه السّلام فلمّا لم يعزم على الإقرار بالمهدي عليه السّلام لم يعدّ من أولي العزم ، وإن عزم على الإقرار بغيره من الأوصياء عليهم السّلام « إنّما هو فترك » يعني معنى فنسي هنا ليس إلّا ( فترك ) ، ولعل السرّ في عدم عزم آدم عليه السّلام على الإقرار بالمهدي عليه السّلام استبعاد أن يكون لهذا النوع الانساني اتفاق على أمر واحد .
وأمره تعالى إياهم على الجنة والنار هدايته إياهم إلى سبيلهما ، ثم توفيقه أو خذلانه ، ولعلّ المراد بالنار المسعّرة بعد ذلك التكاليف الشرعية المحرقة للقلوب لصعوبة المخرج عن عهدتها .
واستقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنّيهم الإطاعة وعدم قدرتهم التامّة عليها ، لغلبة الشقوة عليهم وكونهم مسخّرة تحت سلطان الهوى ، كما قالوا :
رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
« 7 » .
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 40 .
( 2 ) . فصّلت ( 41 ) : 11 .
( 3 ) . الزلزلة ( 99 ) : 4 .
( 4 ) . فصلت ( 41 ) : 21 .
( 5 ) . الإسراء ( 17 ) : 44 .
( 6 ) . الأعراف ( 7 ) : 172 .
( 7 ) . المؤمنون ( 23 ) : 106 .