والكلام في الحديث وروايته لا القول والإفتاء به ، ولهذا قال : « ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور » فالمراد بالمجمع عليه بين الأصحاب في هذا الحديث هو بعينه ما عبّر عنه بالمشهور بينهم في رواية زرارة عن الباقر عليه السّلام قال : سألته فقلت : جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيهما آخذ ؟ فقال عليه السّلام :
« يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشّاذ النادر » .
فقلت : يا سيدي ، إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال : « خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك » .
فقلت : إنهما معا عدلان مرضيّان موثّقان ؟ فقال : « انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم ، فإنّ الحقّ فيما خالفهم » .
قلت : ربّما كانا معا موافقين لها أو مخالفين ، فكيف أصنع ؟ فقال : « إذن فخذ « 1 » الحائطة لدينك ، واترك ما خالف الاحتياط » .
فقلت : إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع ؟ فقال : « إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الاخر » .
وهذه الرواية رواها محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي في كتاب ( عوالي اللآلي ) « 2 » عن العلّامة الحلّي مرفوعا إلى زرارة .
والأخبار في هذا المعنى كثيرة ، وقد أوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى ب « سفينة النجاة » وفي كتابنا الموسوم ب « الأصول الأصيلة » وفي بعضها : « وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه ، فنحن أولى بذلك ، ولا تقولوا فيه بآرائكم ، وعليكم بالكفّ والتثبّت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا » « 3 » .
ولا يخفى أن ردّ علمه إليهم لا ينافي التخيير في العمل من باب التسليم ، فلا يجوز الفتوى بأنه حكم اللّه في الواقع ، وإن جاز الفتوى بجواز العمل به وجاز العمل به .
والمراد بالشهرة في الخبرين شهرة الحديث الكائنة بين قدماء أصحابنا الأخباريين الذين لا يتعدّون النصّ في شيء من الأحكام دون شهرة القول الحادثة بين المتأخرين ، فانّها لا اعتماد عليها أصلا ، كما حقّقه الشهيد الثاني في
هامش
( 1 ) . فيه خ ل .
( 2 ) . عوالي اللآلي 4 : 133 / 229 .
( 3 ) . راجع بحار الأنوار 2 : 233 / 2 .