مسألة : كلّ من يجب جهاده فالواجب على المسلمين النفور إليهم ،
إمّا لكفّهم « 1 » أو لنقلهم إلى الإسلام ، فإن بدءوا بالقتال ، وجب جهادهم ، وإن كفّوا ، وجب جهادهم بحسب المكنة ، وأقلّه في كلّ عام مرّة ؛ لأنّ الجزية تجب على أهل الذمّة في كلّ عام ، وهي بدل عن « 2 » النصرة ، فكذلك مبدلها وهو الجهاد ، فيجب في كلّ عام مرّة .
ولأنّ تركهم أكثر من ذلك يوجب تقويتهم وظهور شوكتهم ، ولو اقتضت المصلحة التأخير عن ذلك ، جاز ؛ نظرا إلى المصلحة ، وذلك بأن يكون في المسلمين ضعف في عدد أو عدّة ، أو يكون الإمام منتظرا لمدد يستعين به على جهادهم ، أو يكون الطريق إليهم ممنوعا ، أو لا علف فيها أو لا ماء بها ، أو يعلم الإمام من العدوّ الرغبة في الإسلام وحسن الرأي فيه ويطمع في إسلامهم إن أخّر قتالهم ، ويعلم أنّ قتالهم ينفّرهم عن ذلك ، أو غير ذلك من المصالح ، فيجوز تأخير الجهاد وتركه حينئذ بهدنة وبغير هدنة ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله صالح قريشا عشر سنين ، وأخّر قتالهم حتّى نقضوا عهده . وأخّر قتال قبائل العرب بغير هدنة « 3 » .
وكما أنّه يجوز التأخير عن الجهاد في كلّ عام ، فكذا يجوز فعله في السنة مرّتين ومرارا بحسب المصلحة .
ولو احتيج إلى أكثر من ذلك ، وجب ؛ لأنّه فرض كفاية ، فيجب منه ما دعت الحاجة إليه .
ولا يتولّى المهادنة إلّا الإمام أو من يأذن له ، على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى .
مسألة : وإنّما يجوز قتال المشركين بعد دعائهم إلى محاسن الإسلام
والتزامهم بشرائعه ، فإن فعلوا ، وإلّا قوتلوا .
هامش
( 1 ) بعض النسخ : لكفرهم ، مكان : لكفّهم .
( 2 ) أكثر النسخ : تدلّ على ، مكان : بدل عن .
( 3 ) المغني 10 : 510 ، الشرح الكبير بهامش المغني 10 : 567 ، تفسير القرطبيّ 2 : 347 وج 8 : 64 .