تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
تدل على فكر لهم وروية ، فلمثل هذه الحال يدّخر قول الإنكليز في التوبيخ : ألا تستحي من نفسك . نعم إن التاجر لا يطلب منه أن يكون شاعرا أو رئيس ديوان الإنشاء ، ولكن عار عليه أن يصرف إدراكه كله في معرفة الثوب الخشن من الرفيع ، ويرتدى بلباس الغفول عن أشرف ما ميّز الله به الإنسان عن البهيمة وهو النطق ، بل ليت هؤلاء يكتبون كما ينطقون ، فإني لا أحسب عجزهم في الكلام بالغا إلى هذا الحد . ولعمري إن صاحب الذوق السليم يمكنه أن يكتب عبارة رائقة من دون أن يدرس كتاب سيبويه ، أو فقه اللغة للثعالبي ، والمتفصّح من هؤلاء من يخلط العربية بالتركية أو الطليانية ، فيكتبون مركب يالكان ، وعلام مور ، وبرمق وجنابير وماكنة وبريمو ، ويا ليتهم يكتبونها على حقّها ! فيا ليت شعري ما سبب هذا العدول عن لغتهم إلى لغة العجم ؟ وما سبب هذا القصور عن تأدية عبارتهم بألفاظ متعارفة ، أو عن سبك معانيهم في كلام معجب مفصح ؟ وما عسى أن يقال في تاجر فرنساوي يكتب رسالة ويحشوها بالألفاظ القبيحة ، والألفاظ الفاحشة في التركيب ورسم الخط ؟ وما يكون قدره عند أقرانه ومعارفه ، وعند أصحاب الجرنالات ، وخصوصا ما يطبع منها للضحك والتهكم ! ؟ ألا فليحمدوا البلاد التي خلت عن هذه الصحف ، وعن رعاية حرمة العلم .

تنافسهم في العمل في هذا الخط

ثم إن تنافس الإنكليز في حصولهم في خط الستي ، سواء كانوا تجارا فيه أو كتّابا أو غير ذلك ، هو كتنافس القبط في استخدامهم في قلعة مصر . وقد ذكرت سابقا أن جميع الحوافل مكتوب عليها اسم البنك ، لأنها جميعها ترد إليه إلا ما ندر ، وبهذا تعلم ما يكون ثمّ من الزحام والتوارد . وفي الحقيقة فإن دوي المراكب في مسالك هذه البقعة لممّا يذهب بالصبر ، وما أظن أحدا من سكانها يمكنه أن يعمل فكره في شيء ، إلا فيما هو بين يديه من الشغل .
الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 501 | أحمد فارس الشدياق