تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
رأيت غير مرة امرأة تبرز في ثياب رثّة ، ثم تغسل وجهها وتمشط شعرها والناس يغربون من ذلك في الضحك . وأعرف أناسا كثيرين يحرمون أنفسهم من لذّة الأكل والرب حتى يمكنهم مشاهدة هذه الملاهي ، ولا يملّون من أن ينظروا تمثيل واقعة واحدة عدة مرار ، وفي الواقع فإن نصف تمثيلهم إنما هو هزء بالمتزوجين ، وكذلك أكره من تمثيلهم أنهم يجعلون المرأة الضعيفة الصوت تنشد أشعارا فيها حماسة ووعيد ، وكذا يجعلون الإنسان مشتركا ، أي يحدث نفسه فيقول المحب مثلا وقد أعيته الحيلة في وصال محبوبته : كيف أفعل الآن وقد سدّت عليّ مذاهب الآمال ، فلم يبق لي إلا هذه الوسيلة ، وهي كذا وكذا . أو يقول : أنا لا أستحم الليلة قبل أن أنام . وكذلك أستحمق بروز المرأة مثلا في الملعب وبيدها كنارة أو آلة أخرى للطرب ، ولا تعزف بها ، وإنما يعزف عنها بعض العازفين من تحت الملعب ، وهي مع ذلك تمر يدها على الآلة وتوهم الناس أن الصوت خارج من آلتها .

العرب والمسرح اليوناني

وبودّي لو كانت العرب نقلت عن اليونانيين شيئا من هذه المحاورات كما نقلوا عنهم الفلسفة ، أو أنهم ألّفوا فيها ، ولا يبعد عندي أن شعراء العرب حين كانوا يتناشدون الأشعار في عكاظ ، كانوا يجرونها على وجه يكسبها حوكا « 333 » في النفوس مع اقترانها بالحركات والإشارات ، ولا شك أن في هذا التمثيل يكتسب كلام الشاعر رونقا أكثر مما لو بقي في الكتب ، أو إنشاد مجرد إنشاد ، ولا شك أن مبدأ الملاهي عند اليونانيين كان مثل اجتماع العرب في عكاظ ثم توسعوا بها ، فإن جميع العلوم والفنون بل الأديان نفسها تكون في مبدأها ضعيفة .
هامش
( 333 ) الحوك : الرسوخ ( م )
الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 438 | أحمد فارس الشدياق