تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
المسائل المعرقلة الرابقة من كثير من القسيسين وفقهاء الشرع والأطباء ، وكانوا زهاء مائة وبذلوا كل ما عندهم من الدهاء في أن يتصيدوها بكلمة تدل على أن فعلها الذي فعلته كان بقوة الشيطان ، فلم تنطق بشيء كما توقعوا ، ولبثت صابرة متجلدة وهي تقول : إن الله هو الذي قيضها لذلك حتى أفحمت قضاتها غير مرة ، فسألوها عن الكنيسة فقالت : إنّي ما زلت مواظبة على العبادة فيها ولكني كنت أطيع الأصوات حين كانت تأمرني بشيء مخالف لها ، فحكم عليها أهل الديوان بأنها مبتدعة ، وصوّب ذلك أهل مجلس الشورى والمدارس والأساقفة ، فلما صدر الحكم بسجنها أخذ الرهبان يترددون عليها وينذرونها هول يومها . ثم أخرجت يوما وجعلوا يقبّحون عليها فعلها ويشنّعون على الملك ، فعند ذلك ثارت حميتها إلى تبرئة الملك والمناضلة عنه ، فحكم عليها بالسجن المؤبد ، وأن تقتات بالخبز والماء فقط ، ثم حكم عليها أن لا تتردّى بلباس الرجال ، وهدّدت بأنها إذا خالفت ذلك يوجب عليها القصاص بالموت ، ثم كادوا لها مكيدة وهي أنهم كانوا ينزعون عنها ثيابها عند النوم ، ويضعون مكانها ثياب الرجال ، فكانت إذا رأتها تلبث في الفراش إلى أن تضطر إلى القيام فتلبسها إذ لم يكن عندها شيء غيرها . وبينما هي كذلك ذات يوم إذ هجم عليها الحراس واستاقوها وهي في هذا الزي إلى الضابط ، فحكم عليها بأنها حنثت في يمينها ، وأنها جديرة بالإحراق ، ثم أعيدت إلى السجن فأقرت لله بذنب ضعفها وفشلها في كونها لم تصرح غاية التصريح بأن الله هي التي ساقتها لعمل إرادته في إنقاذ فرنسا ، فعاودتها الأصوات فامتلأت عند ذلك شجاعة ورأت رؤى بهيّة إلا أنها حين أخرجت ورأت ما أعد لها من العذاب المهول خارت قواها ، فسيقت إليه وهي تئن وتتأوه . ثم أضرمت النار ، وأدخلت فيها ، فجعلت تدعو إلى الله وتبتهل حتى إنّ عدوها الكردينال بوفور لما شاهدها على هذه الحالة لم يطق بعد أن ينظر إليها ، فقام عجلا هو ومن كان معه من الأساقفة ، والدموع منحدرة من مآقيهم ، وكان إحراقها في الثلاثين من شهر أيار من السنة المذكورة ، في موضع يقال له لابلاس دولابوسل أي موضع البكر ، وذري رمادها في نهر السان ، ثم بعد عشرين سنة قام مطران باريس ومطران رام فنقضا الحكم الذي جرى عليها وأثبتا براءتها .