تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
منهم أول وهلة ظن أنهم يزدادون من مؤانسته وألفته ، وأن هذا الأنس لا بد وأن يتبعه كرم وصداقة ، ويزيد تعجبه من ذلك على الخصوص ما إذا واجههم على هذه الصفة المستحبة بعد مفارقته الإنكليز على حالة الانقباض والعبوس ، ولكن هيهات ، فإن أنيسك منهم إذا رآك غدا ظننت أن ملاقاتكما إنما كانت حلما ، وعلى فرض استمرار الألفة بينك وبينه فلا يدعوك إلى منزله ولا يعرفك بأهله . ومن ذلك أن أهل البلاد الباردة كباريس وغيرها تراهم أخفّ حركة وأحفد « 297 » إلى الأشغال من أهل البلاد الحارة ، أو المعتدلة كمرسيلية ونحوها ، فإن الناس هنا لا حركة لهم ولا نبض ، فمن قدم إليها من باريس ورأى بلادة أهلها عجب كل العجب ، فأين هم من أهل مالطا الذين يبادرون إلى العمل بأدنى إشارة . ومن ذلك أن كثيرا منهم ولا سيما أهل باريس يعيشون مع النساء عيش المتعة ، ويأتي لهم بنون وبنات وهم على هذه الحالة ، ولا يتزوجون زواجا شرعيا ، فكيف يحب الرجل امرأة ولا يتزوجها ، لا سيما وقد ولدت له أولادا وربتهم ؟ وزواجهم الشرعي هو الذي يعقد في الديوان لا في الكنسية ، ومنهم من يعقده في كلا الموضعين ، وهم المتدينون العابدون . ومن ذلك أنهم مائلون بالطبع إلى حب النساء ومخالطتهن ومداراتهن ، ومع ذلك فإنهم يدعونهنّ يعملن الأعمال الشاقة ليكسبن بعض شيء . ويمكن هنا أن يقال إن نساءهم مائلات بالطبع إلى حب الكسب ، وليست الراحة عندهنّ إلا بتحصيل المال . ومن هذا القبيل أن الرجال من فرط عشقهم يقتلون أنفسهم ويرتكبون أقصى الأخطار لإرضائهن ، ومع ذلك فليسوا يقيمون على ودادهن ، فتبديلهن عندهم أهون من تبديل اللباس . ومع اعتقادهم بأن نساءهم أكيس النساء وأظرفهن وأحذقهن جميعا ، فلا يأنفون من زواج الحبشيات وغيرهن . ومن ذلك أنك ترى أدبائهم وكيسيهم أبدا يترددون على الملاهي والملاعب ليسمعوا فيها ويروا ما سمعوه ورأوه مرارا ، وأنت خبير بأنه يكرر في هذه المواضع تمثيل الحوادث كثيرا ، إذ لا يمكن اختراع شيء حديث في كل ليلة ، ومهما يكن الشيء الممثل بديعا فإذا أعيد زالت طلاوته . ومن ذلك أنك لا تزال ترى الخاصة منهم والعامة يتمشون في الحدائق والغياض
هامش
( 297 ) أحفد : أسرع ( م )