تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
ولما كانت ضحوة يوم الجمعة 28 جمادى الأولى سنة 1337 و 28 شباط سنة 1919 م كان الحلبي يتجول في سوق الجمعة - وهو سوق عام ينعقد في كل يوم جمعة ، في فضاء واسع يعرف بفضاء تحت القلعة ، يباع فيه من جميع السلع والبضائع ، ويحضره ألوف من الناس ، ومن جملة فروعه فسحة واسعة تباع فيها الخيل والبغال والحمير والبقر - وبينما كان مشتري البقرة يتصفح وجوه الناس للبحث عن غريمه الأرمني ، إذ وقع نظره عليه فأسرع نحوه وطلب منه ثمن البقرة . وكان الواجب على الأرمني أن يتلطف بذلك الرجل ويستمهله وفاء ثمن البقرة ويدفع الشرّ بالتي هي أحسن ؛ غير أن نفسه لم تطاوعه على التساهل مع صاحب الحق ، بل طفق يعربد وينكر القضية بتمامها ويفوه بكلام يشقّ على العامة سماعه . فاشتد النزاع بين الرجلين وعلت أصواتهما في ذلك الجمع العظيم الذي لا يقلّ عن عشرة آلاف إنسان ، ما بين مسلم ومسيحي ويهودي ، وقد هرعت العامة إلى محل المشاجرة ووقفوا ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرها . ثم انتقل الحال بين الرجلين من الكلام إلى الملاكمة واللّطام ، وقد أخذا بتلابيب بعضهما ، وانبرى لكل واحد منهما نصراء من قومه يدافعون عنه ويعينونه على خصمه - وقد علمت مما تقدم كيف كان توغر صدور الحلبيين وحنقهم على الأمة الأرمنية للقضايا التي أسلفنا بيانها - فلما شاهد هذا الجمع النزاع القائم بين هذين الرجلين وعلموا أن المعتدي منهما هو الأرمني ، وأن الأرمن قد التفوا حوله ينصرونه على خصمه ، هاجت الأحقاد في صدورهم وتقدموا يدفعون الأرمني عن الحلبي . فاشتدت الضوضاء وعلا الصراخ وهاج هذا الجمع العظيم وماج ، وانقضّت العامة على الأرمن يضربونهم بالعصي والسكاكين ووزنات الحديد « 1 » وأعمدة الخشب . فما مضى غير دقائق إلا وجثث بضع « 2 » وثلاثين أرمنيا مطروحة على الأرض ، وقد اتصل الصوت ببعض الجهات القريبة من محلات الأرمن فقام بعض الدعّار يهجمون على بيوتهم ويسلبون ما فيها من الأثاث ويقتلون من يعارضهم من أهلها . وكان مجموع ما قتل في هذه الفتنة العمياء مسلم واحد - كان مارا في الطريق فرماه أرمني من داخل داره برصاصة فقتله -
هامش
( 1 ) أي القطع الحديدية المستعملة في وزن الأشياء ، كالرطل ، ونصف الرطل ، والأوقية . . . ( 2 ) الصواب : « بضعة » لأنها تعامل معاملة الأعداد 3 - 9 في التذكير والتأنيث .