تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
إذا لم يظهر منها لجيرانها « زررتي » - يعني بهذه الكلمة فتنة أو استعمال سلاح أو تلويث باب دار جار - أما ما دامت تجري شؤونها ، ولا يظهر بسببها للجيران شيء من الإضرار المذكورة فليس لنا عليها من سبيل ) . على أن الذي كان يدافع عن أمثال هذه البيوت ويقف في وجه المشتكين منها هم رجال الشرطة أو الضباط العسكريون ؛ لأنهم هم الذين كانوا يترددون عليها للعهر ، أو كانوا يأخذون من كل بيت منها راتبا أسبوعيا ليدافعوا عنها تجاه أهل المحلة ويحموها ممن يسيء معاملتها من الزبائن . فكان أهل العرض والشرف المجاورون هذه البيوت المدنسة يتكبدون كل ضرر من جوارهم ، ويسلبون الراحة والقرار في الحرص على حريمهم وبناتهم كيلا يلحقهن شيء من فساد الأخلاق بسبب الجوار ، الأمر الذي أصيب به كثير من الناس وأصبحوا منكسي الرأس . وبينما كان الناس يتضجرون من كثرة المومسات ووفور بيوت الريبة ؛ إذ أصبحوا - وهم في أواخر أيام هذه الحرب - فرأوا في محلة « بحسيتا » بيوتا علّق على أبوابها ألواح كتب فيها ( ملاقاتخانه ) نومرو ( كذا ) ، أي محلّ لقاء . فسألنا عن المراد من هذه البيوت ، فقيل لنا : المراد منها تسهيل الوصول إلى المحبوب لذوي الهيئات الذين يتحاشون الدخول إلى « المنزول » . فعجبنا من اعتناء الحكومة بهذه الأمور الرذيلة ، في الوقت الذي تقضي فيه عليها السياسة - فضلا عن الدين - أن يكون تباعدها عنها فوق كل تباعد رعاية لعواطف الرعايا المسلمين . والغريب أن المراجع التي كان يلجأ إليها المشتكي من هذه الأحوال السيئة أصبحت مراكز للمومسات ومصائد لاقتناص الحرائر وإيقاعهن في شبكات الفجور . فقلما كان الإنسان إذا راجع المخفر للتشكي من هذه الأحوال أن لا يرى فيه عاهرة أعدّت لرئيس المخفر أو لأحد مقرّبيه ، أو يرى فيه حرّة لها حاجة عند هذا الرئيس قد أمسكها وماطلها لينال منها أربه أجرة له على قضاء حاجتها ، فإما أن تضحي شرفها وإما أن تخسر حاجتها . وكانت نساء العساكر اللواتي يأخذن الرواتب الشهرية من الحكومة - في أثناء غياب أوليائهن - عرضة لبذل شرفهن إلى الشرطة المنوط بهم التصديق على حاجتهن للمعاش ، وإلى جباة الأموال المعروفين بالتّحصلداريّة وجماعة كتاب الديوان . فكم من محصنة من هؤلاء النسوة اضطرت أن تبذل صيانها لأمثال هؤلاء لتأخذ مرتّبها الشهري