وحين قيام حضرة الشريف حسين على الأتراك كان الشريف ناصر وأسرته في جانب الشريف حسين ، فوكله حضرة الأمير الشريف فيصل في التأمّر مكانه على حلب . فوصل إليها يوم الأحد ثاني وعشرين محرّم الجاري ، ونزل ضيفا كريما في منزل أحد وجهاء حلب في محلة الجميلية . وبعد أيام انتقل إلى دار خصوصية هيئت له في محلة العزيزية . وقبل وصوله إلى حلب كان القائم بحراستها وحفظ الأمن فيها جماعة الشريف مطر ، وكانت دار الحكومة والثكنة العسكرية وجميع الأماكن الأميرية خالية من الموظفين .
وبعد وصول الأمير ناصر بيومين أصدر أمره قبل كل شيء بأن يؤلف مجلس شورى ينتخب الدرك والشرطة أولا ، ثم ينتخب موظفين لدوائر الحكومة . فتألف هذا المجلس من اثني عشر عضوا من وجهاء حلب في أيام الدولة التركية ، وقد انتخبوا واحدا منهم رئيسا عليهم - وهو حضرة كامل باشا القدسي - ثم شرعوا بانتخاب الموظفين فأحسنوا بتعيين بعضهم وأساؤوا في آخرين شبّوا ونشؤوا على ظلم الناس وهضم حقوقهم ، وعدم المبالاة من تضييع منافع الدولة لمنفعتهم والتكاسل عن واجبات وظائفهم واحتقار الناس والتهاون بأقدارهم . ولهذا لم يمض على تعيينهم غير أيام قلائل حتى بدأ الناس يتذمرون منهم ويتشكون من تباطئهم ، ووعودهم لصاحب المصلحة في قضاء مصلحته والكتابة على قصته « 1 » بقولهم : رح ، وتعال ، وغدا ، نظير ما كانوا يفعلون مع أصحاب الأشغال في أيام الدولة الزائلة إذ كانوا يقولون لهم بدل هذه الكلمات ( كت ، كل ، يارن ، أوبركون ) « 2 » . حتى اشتهر في هذه الأيام عن واحد من ذوي الأشغال أنه اشتكى إلى الوالي على بعض المأمورين الجديدين الذين هم من هذا القبيل ، وقال للوالي : ( بدّلنا العجميات بالعكال ، وكيت وكال : بروح وتعال ) يريد بالعجميات : كسوة الرأس عند الأتراك ، وهي الطرابيش والقلانس المعمولة من فرو الغنم .
يوم الجمعة 27 محرم الجاري حضر الأمير ناصر إلى الجامع الكبير بموكب حافل وصلى فيه صلاة الجمعة ، ودعا الخطيب لملك العرب الشريف حسين بالنصر والظفر . وبعد الفراغ من الصلاة أمر حضرة الشريف ناصر لخدمة الجامع بأربعين ذهبا إنكليزيا .
هامش
( 1 ) القصة هنا : الطلب ، وما يسمى « بالاستدعاء » الذي يشرح فيه صاحب الحاجة قصّته .
( 2 ) كت : اذهب . كل : تعال ، هلمّ . يارن : غدا . أوبركون : بعد غد . ( وهي كلمات تركية ) .