وكان قد تواتر عند العثمانيين أن دول أوروبا غير المركزية قد اتفقن على تقسيم بلاد تركيا فيما بينهم ، وعلى إخراج نواياهن في المسألة الشرقية من حيز القوة إلى حيز الفعل . فلم ير السلطان عبد الحميد بدا من التمايل إلى دولة ألمانيا التي كانت تخطب صداقة تركيا منذ أمد بعيد تمهيدا لبلوغ مقاصدها التي أسلفنا ذكرها . فأحضر هذا السلطان جماعة من الألمان - أساتذة العلوم العمرانية والفنون العسكرية - إلى مدارس استانبول ووظّفهم بوظيفة التدريس والتعليم . ومن ذلك الوقت شرع هؤلاء الأساتذة يغرسون في أفكار التلامذة حب ألمانيا ويجسمون في مخيلتهم عظمة دولتهم وحبها لدولة تركيا ، ويؤكدون لهم ما وقر في صدر دولة إنكلترا من المقاصد السيئة في حق تركيا وأنها قسمت بلادها بينها وبين باقي دول أوروبا ودول البلقان . وكان التلامذة يعتقدون صحة هذه المبادئ ويثبتونها في أذهان الأمة حتى تمكنت من عقولهم واستحكمت في اعتقادهم .
ثم قام حزب الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد وحملوه على العمل بالقانون الأساسي وقلبوا الحكومة إلى الديمقراطية ثم خلعوه . وقد ساعدت دولة إنكلترا الاتحاديين في هذا الانقلاب انتقاما من السلطان عبد الحميد على ميله إلى الألمان وتقريبه إياهم ، واتخاذه منهم الأساتذة والمرشدين وبعض قواد عسكريين . ثم حدثت حرب طرابلس الغرب بين تركيا وإيطاليا . وكان الاتحاديون يأملون من دولة إنكلترا المساعدة في هذه الحرب فخاب أملهم ولم تساعدهم إنكلترا بشيء حتى ولا بإمرار قواتهم من مصر إلى جهة طرابلس .
فازداد نفورهم من إنكلترا وتأكدت رغبتهم بالميل إلى ألمانيا حينما لم يروا بدا من التجائهم إلى هكذا دولة قوية تساعدهم على خصمهم العظيم ، خصوصا بعد أن خاب سعيهم بالتحالف مع دول الاتفاق الذي قدمنا بيانه . ثم حدثت حرب البلقان بين تركيا وحكومات البلقان ، وانجلت هذه الحرب عن انكسار تركيا وخسرانها جميع ولاياتها في البلقان ، وأعلنت البلغار استقلالها بالرومللي ، والنمسا في البوسنه والهرسك . ثم إن تركيا سنحت لها فرصة أمكنتها بمساعدة ألمانيا استرجاع قسم كبير من ولاية أدرنة ، وحينئذ رأت تركيا أن لا مناص لها عن أن تتفق مع ألمانيا لدفع العادية على ثمالة ممالكها « 1 » ؛ لأنها تحقق لديها من ماجريات هذه الأحوال أن جميع دول الاتفاق العظيمة تشرئب أعناق مطامعها إلى أخذ بلادها وملاشاتها مع ما هي عليه من الضعف والفقر ، وأنه لا ينجيها من نشوب مخالب
هامش
( 1 ) أي على بقيّتها .