تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وترى طيور الماء في وكناتها * تختار حرّ النار والسفّودا
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوى * عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما * حرّك لنا عودا وحرّق عودا
وتحرير هذا الخبر هو أننا أمسينا يوم الخميس 30 كانون الأول الرومي والغيوم البيضاء متلبدة في السماء والهواء لطيف معتدل ، وما كاد ينقضي الهزيع الأول من الليل حتى أخذ الثلج يتساقط بكثرة فاستبشرنا بذلك لأن الأرض كانت عطشى مشتاقة إلى الماء ، وبعض الزروع الشتوية قد أشرف على التلف . فنمنا ليلتنا فرحين مسرورين إلى أن كان الصباح نهضنا من مضاجعنا لقضاء حوائجنا فما راعنا غير الثلج المتكاثف قدر ذراع وقد تغير الهواء وقرس البرد والغيوم باقية على تلبدها ، تثلج مرة وتمسك أخرى ، مستمرة كذلك مدة سبعة أيام متوالية ، إلى أن كان مساء يوم الخميس سادس كانون الثاني اشتد الدمق « 1 » وبرد الهواء حتى هبط الزئبق إلى الدرجة العاشرة تحت الصفر في مقياس السانتغراد تحت السماء ، فجمد الثلج القديم وتكاثف فوقه الثلج الحديث قدر ذراع والغيوم لم تزل متلبدة ترسل الثلج تارة وتمسكه أخرى ، إلى أن انقضى كانون الثاني وتم العقد الأول من شباط . وفي هذه الأثناء قرس البرد حتى بلغ درجة لم نشهد نظيرها فيما مر من حياتنا ولا حدثنا الأشياخ أنهم شاهدوا نظيرها قطّ ، فقد أصبحت أصقاعنا في هذه الأيام تضارع الأصقاع القريبة من القطب الشمالي المعروفة باسم ( سبيريا ) حيث يهبط الزئبق إلى الدرجة الثلاثين تحت الصفر ، وقد هبط عندنا في هذه الأيام إلى الدرجة الرابعة والعشرين . وفي رواية - عمن عني بهذا الأمر وحققه - أن الزئبق هبط في بعض الأيام إلى الدرجة السابعة والعشرين تحت الصفر بالمقياس المذكور .

تأثير الثلج والقرّ :

وقد نجم عن هذا الثلج والقرّ العظيمين وقوف حركة القطار الناري مدة ثلاثين يوما بين حلب ودمشق وبيروت ، ثم سار من حلب إلى حمص بعد عناء شديد وبقيت الطريق مسدودة من حمص إلى بيروت ودمشق إلى أوائل شباط ، فكأن القطار كان يعتذر عن وقوف حركته في لبنان بقول المتنبي :
هامش
( 1 ) الدمق ، محرّكة : ريح وثلج معرّبة دمه . قاموس . ( المؤلف ) .