تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
الخضر « 1 » والبقول الشتوية في البساتين كالسلق والإسفانج والقنّبيط ، ولم يسلم منها سوى ذوات الجذور كالجزر واللفت ، وعطب شجر البرتقال وما هو من هذه الفصيلة ، وشجر التين والجوز والزيتون والرمان في حلب وأنطاكية والباب وأرمناز وسلقين وما قارب تلك النواحي ، وقبحت مناظر المنازل والشوارع بما تراكم فيها من الثلوج وأكداس الجليد واندلاع ألسن الميازيب وسيلان أنوف الأسطحة مما تقشعرّ لمنظره النفوس وترتعد له الفرائص . ولسان حال الناظر إلى ذلك يقول :
فإن كنت يوما مدخلي في جهنّم * ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم
مناظر تخدع العين وتدهش العقل ، فيحسب السائر في منازل حلب وشوارعها أنه سائر في خرابة عظيمة رومانية أخنى عليها الدهر وعاثت بها أيدي الأيام والليالي ، حتى عادت أنقاض أطلالها ركاما وأبنيتها المتزاحمة وديانا . عطلت الحكومة جميع المكاتب والمدارس وانقطع البريد عن حلب من جميع الجهات مدة ثلاثين يوما ، فاجتمع في ثغر بيروت من الكتب والرسائل ما يملأ ثلاثين عدلا . ثم في العشر الأول من شباط حملت في البحر إلى إسكندرونة ومنها إلى حلب . وكان الناس في بحران هذه الأزمة « 2 » الشديدة قد لزموا منازلهم وانقطعوا عن السمر والسهر عند بعضهم ، وكان كثير من العائلات المتوسطة في الحال - التي كانت العائلة الواحدة منها تسكن أفرادها متفرقة في خلوات الدار وغرفها - قد انضموا في أثناء هذه الشدة إلى بعضهم ، وصاروا كلهم ، كبار وصغار « 3 » ، يقومون ويقعدون في خلوة واحدة طلبا للدفء فلا يجدونه ، وكان الإنسان يتدثّر بأثقل ما عنده من الدثار حتى يكلّ متنه ويوقد في خلواته المناقل العديدة فلا يتيسر له الدفء الذي يريده ، وقد جمد مداد المحابر وما في ظروف الماء الموضوعة قرب منافذ الخلوة . وكنا نأخذ قطع الجليد ونذيبها في النار فلا تذوب إلا بعد بضع دقائق ، وكأنها - لمّا كان جمودها ببرودة درجتها بضع
هامش
( 1 ) أصابها الصقيع بأذاه . ( 2 ) أي في شدّتها ، وأوج احتدامها . ( 3 ) كان في الأصل : « كبارا وصغارا » لكن المؤلف في جدول « إصلاح الغلط » جعل الصواب هو « كبار وصغار » فأثبتنا ما ذهب إليه .