تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧

سنة 1329 ه

شدة الشتاء وكثرة القرّ والثلج :

في محرّم هذه السنة - الموافق كانون الثاني سنة 1326 رومية - كان الشتاء شديدا والقرّ والثلج في حلب وباقي جهاتها مما لم يسبق له نظير . وفي أثناء هذه الأزمة بعثت إلى السيد الماجد أمين بك التميمي قائممقام قضاء منبج كتابا نشرت في طيه نبأ هذه الحادثة الكارثة . ومنه يعلم القارئ ما أحدثه القرّ والثلج من البلاء في حلب وأنحائها على وجه التفصيل . وإليك صورة الكتاب ، بعد ديباجته : على أني أحرّر لكم حروف هذا الكتاب والقلم يكرع شرابه من محبرة جامدة ، والفكر يستمد مادته من قريحة نارها بأنفاس البرد خامدة ، ذلك لأن شتاءنا في هذه السنة أقبل علينا فاغرا فاه كالحا بوجهه مكشرا عن أنيابه ، منيخا بكلكله حالّا بأثقاله قد قرس قرّه ، واشتد أمره ، وسكر زمهريره ، وتكسرت على الأرض قواريره ، فأحال الألوان ، وقشفت به الأبدان « 1 » ، وكتعت الأصابع « 2 » ، وأرعدت الأضالع ، وعصب الريق في الأشداق ، وجمد الدمع في الآماق ، تقلصت منه الشفاه ، وكزّت له الأسنان في الأفواه ، صفح بجليده الأنهار والبحيرات ، وأسال لعابه من الميازيب والشرفات ، يتساقط ثلجه على الأرض تساقط النّور من أشجار ثار بها إعصار ، ويتهافت على الحضيض تهافت الفراش المبثوث على لهيب النار ، كلّل بملاءاته رؤوس الأطواد ، ومدّ بساطه اليقق « 3 » على الروابي والوهاد ، فعادت به القيعان كأنها درّة ، وأصبح من مرآة الغريب في كل عين قرّة ، ورحم اللّه القائل :
كم مؤمن قرصته أظفار الشتا * فغدا لسكان الجحيم حسودا
هامش
( 1 ) أي ساءت حالها ، وخشن جلدها . ( 2 ) أي انقبضت وانعطفت نحو الكف . ( 3 ) أي الأبيض ، يعني الثلج .