تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
كان محررو الجرائد من جراء هذا التدقيق المشين يتكبدون عرق القربة بتحرير صحفهم ، إذ على المحرر منهم - بعد تحرير صحيفته وطبعها - أن يقدم أول نسخة منها إلى المراقب ( السنسور ) المعيّن ، فمتى وجد فيها كلمة من الكلم التي سبق بيانها أو وجد فيها عبارة تشفّ - ولو من وراء ألف ألف حجاب - عن غمز أو لمز يقصد بهما السلطان ، فإن حضرة ( السنسور ) لا يحجم لحظة واحدة عن تشذيب المقالة وضربها بقلمه القاسي ضربة تقضي على حياتها مهما كان موضوعها أديبا بديعا ، وحينئذ يذهب تعب ذلك المحرر أدراج الرياح ، ويضطر إلى تحضير مقالة بدلها ليملأ بها من جريدته ما حدث فيها من الفراغ . وبعد أن يطبعها أيضا يرفعها إلى حضرة المراقب فربما ضربها ضربة ثانية بذلك القلم الشبيه بمعول يهدم معاهد العلم وصروح الأدب ، محتجا على محررها ولو بكلمة فيها حروف لفظة « عزل » مثلا كأن يقول : عزال ، عزاليك ، أو عزرائيل . ولا تسل حينئذ عن حال ذلك المحرر المنكود الحظ الذي قد يشتغل أسبوعا تاما بتحرير مقالة يرضي بها المراقب ، وينفي فيها الشبهة الموهومة عن نفسه . وكان المؤلفون الذين يصرفون من أعمارهم الثمينة الأعوام الطويلة في تأليف كتاب أدبي ، أو علمي أو فني ، مكلفين - لأجل الحصول على الرخصة في طبع مؤلفهم وتدوينه - أن يبيضوا منه نسختين يقدمونهما إلى نظارة المعارف في استانبول ، وهي تدفع إحداهما إلى مراقبها الخاص فيفحصها على الصورة المتقدم ذكرها في فحص الجرائد ، ولربما شذبها وضرب بقلمه المشؤوم تلك الضربات العنيفة فمحى نحو ثلث الكتاب أو نصفه ، لوجود شيء في عباراته من الكلمات المتقدم ذكرها أو شيء مما يشبهها . وقد يستغرق ( السنسور ) في هذا العمل الذميم نحو سنة أو سنتين ، وقد لا يرخص له بطبع ذلك الكتاب مطلقا بعد تلك المدة الطويلة . وروى بعض أصدقائنا من منوّري شبان الأتراك أن بعض شياطين السلطان عبد الحميد استلفت نظره إلى ما في القرآن الكريم من الألفاظ المتقدم ذكرها ، التي تنبو عن سمعه وتشذّ عن ذوقه وطبعه ، فكاد السلطان يصدر أمره الكريم بتنقيح نسخة منه وتنظيفها من تلك الألفاظ وطبعها ، مهذبة منقحة ، غير أن بعض محبيه المخلصين بين له خطارة هذا العزم وما ينشأ عنه في العالم الإسلامي من الاضطراب فأمسك عن إصدار أمره المذكور . وقد أسمعني ذلك الصديق أربعة أبيات باللغة التركية في هجاء مراقبي الكتب والمؤلفات