قال زين العابدين : فسمعت قهقهة السلطان من وراء الحجاب ، ثم خرجت من « المابين » وقد تبعني رئيس الكتاب يقول لي : إن ولي النعم قد سرّ من كلامك وأمر لك بمائة ذهب . وفي المساء اجتمعت مع ناظر الداخلية وحكيت له ما جرى ، فقال :
إنك مدحت الوالي وثبتّه بوظيفته من حيث لا تدري . فقلت له : وكيف كان ذلك ؟
قال : أو ما قذفته بوجع الظهر ؟ قلت : بلى ، أو لم يكن هذا المرض موجبا لعزله ؟ قال :
بل هذا المرض هو الذي جعل السلطان يتمسك به ويثبته في وظيفته لأنه - كما قلت - يعوقه عن الاشتغال بغيره من أمور السياسة والبحث عن أحوال السلطان . قال زين العابدين : وكان الأمر كما ذكر ناظر الداخلية ، فإن السلطان قد أبقى الوالي بولايته ولم يصغ فيه إلى واش أو رقيب .
أما عدم رغبة السلطان بالمستخدم القوي فلأنه يخشى منه استعمال نفوذه بما يمس سلطنته فيجري عليه ما جرى على عمه السلطان عبد العزيز من وزيره مدحت باشا . ومما يحكى عن السلطان في هذا الصدد أنه هو الذي اقترح على غليوم إيمبراطور ألمانيا التخلص من داهية السياسة بسمارك المشهور ، وذلك أن الإيمبراطور غليوم لما زار استانبول في المرة الأولى تحدث مع السلطان عبد الحميد عن نفوذ بسمارك في أوروبا فقال له السلطان : أنا لا أحب أن يكون خادمي قوي النفوذ كهذا ، أترغب جلالتكم أن ترى كيف أعامل خدمي ؟ فقال غليوم : نعم . وحينئذ لمس السلطان الجرس المنبّه . ولما دخل الحاجب قال له : ادع كاملا ( وكان كامل يومئذ صدرا أعظم ) فأرسل الحاجب الخيّالة يبحثون عن كامل باشا فأحضروه ، ولما دخل إلى المثول بين يدي السلطانين وقف مطرقا برأسه إلى الأرض مكتوف اليدين كأنه واقف في صفوف المصلين ، فلم يلتفت إليه السلطان . وبعد برهة من الزمن قال له : لا لزوم للانتظار فالمسألة بسيطة . فسلّم الصدر سلام الخلافة وذهب ماشيا القهقرى حتى غاب عن نظر العاهلين . وقد انتبه الإيمبراطور غليوم إلى ما كان يراه من وزيره بسمارك من التوسع في الحرية حين مقابلته ومحادثته ، فعزله عن وظيفته وحرم منه ذلك الدهاء الذي كان سياجا لسلطانه وملكه .
كان السلطان عبد الحميد لا تخفى عليه خافية من أحوال رجال « المابين » ومن هولائذ بقصر يلديز ، فقد كان يعلم كل العلم أحوال كل واحد منهم على حدته ، ويدري ما انطوت
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 387
مساهمون: محمود فاخوري
ص٣٨٧