والرونق . وقدّم إلى السلطان عبد الحميد من الخيول العربية والسّمن العربي ما جعله يعتقد أنه من خواصّ محبّيه ومواليه . واتصل بوالدة السلطان وقدّم لها مبالغ طائلة فسرّت منه أيضا ودعته بقولها : أنت ابني . وأحسن إليه السلطان بالأوسمة العظيمة وأمر بأن يبلّغ سلامه .
ثم عاد إبراهيم إلى وطنه فازدادت سطوته وعظمت نكايته وصارت أتباعه تشنّ الغارة على العشائر المجاورة له ، والقرى التي هي من أعمال أورفه وولاية ديار بكر . حتى خرب الكثير منها بسبب جلاء أهله عنه وضرب على القفول والكروان « 1 » التي تمر من تلك النواحي ضريبة من المال تدفع إليه وإلا سلّط أتباعه عليها وانتهبوها . فضج أهل تلك الجهات من جوره وواصلوا الشكايات عليه لحكوماتهم مدة طويلة فلم يجدهم ذلك نفعا ، لأن الولاة كانوا لا يجسرون على الإيقاع به لعلمهم بالتفات السلطان إليه . ولشدة اشتهار أتباعه ومواليه بالنهب والسلب صار كثير من الدعّار والشطّار الأجانب عنه يقطعون الطرقات ويتسمّون بأسماء أتباعه وأعوانه . فعظم ضرر الناس من ذلك وأخذوا يوالون التشكي عليه إلى الدوائر الكبرى في الآستانة : كالباب العالي ، ونظارة الداخلية والكتابة الأولى في « المابين » « 2 » . وشخص جماعة من بلاد الرها إلى الآستانة للتشكي عليه وبذلوا في إزالة ضرره النفيس والغالي ، فلم يحصلوا على طائل ورجعوا بالخيبة لأن تلك الدوائر كانت تعلم أيضا أن إبراهيم ملحوظ السلطان وأحد منابع استفادته .
ثم شرع الناس يتشكون منه لذات السلطان على لسان البرق مخاطبين إياه بلهجة عنيفة غير مبالين بما كان عليه من الشدة والجبروت ، وتجهز منهم جماعة من أهل الثراء وسافروا إلى الآستانة بقصد التظلم من أعمال هذا الرجل وصرفوا على نوال غايتهم المبالغ الوفيرة والأعوام العديدة فأخفق سعيهم وعادوا خائبين . وكان هذا الرجل لا يفتر شهرا واحدا عن تقديم الهدايا إلى السلطان ووالدته وكبار جواسيسه ومطبخه وإصطبله ، يقدّم إلى السلطان ووالدته وبعض جواسيسه النقود الكثيرة ، وإلى المطبخ صناديق السمن ، وإلى الإصطبل الخيول الأصائل . وبهذه الواسطة كان السلطان لا يسمع فيه وشاية ولا يصغي
هامش
( 1 ) أي القوافل .
( 2 ) المابين : الجناح الإداري الملحق بقصر السلطان والمرتبط بأوامره مباشرة .