للوالي ويهدده بالقتل لعله ينفك عنه . ففعل ذلك فأخفق سعيه واتسع الخرق عليه ، لأنه بعد أن بقي مدة محبوسا في حلب نقل إلى دمشق وحكم عليه بالحبس مدة خمس عشرة سنة فمات محبوسا بعد ثلاث سنين من حبسه .
ثم إن الوالي بعد أن مرّت عليه هذه الحادثة في ذلك اليوم توجه إلى منزله وأقبل عليه الناس يهنّونه بالسلامة وأمر بإيقاع القبض على جماعة من الوجهاء كانوا يتصدون لمناضلته ، وقد زعم أنهم هم الذين أغروا زيرون وحملوه على ما فعل . فوقع القبض عليهم في تلك الليلة وهم في منازلهم لم يبرحوا منها ، لأنهم كانوا على غفلة لا يدرون الخبر ، فأودعوا السجن وأمر الوالي بالتضييق عليهم وأن يوضع كل واحد منهم في حجرة على حدته ، وأن لا يدخل إليه أحد من ظاهر السجن ولا من داخله ولا من رفقائه ، ولا يمكّن من أداة كتابة ولا من أخذ خبر من ظاهر الحبس ، لا كتابة ولا شفاها . فكان خدمة الحبس يشقّون رغيف الخبز المبعوث إلى المحبوسين المومأ إليهم خوفا من أن يكون فيه ورقة ، ويفتشون جميع ما يدخل إليهم من الطعام والملبوس . وكان الوالي قد أحضر من الثكنة عساكر نظامية أمرهم بأن يقف على كل حجرة من حجر المحبوسين المذكورين جنديان متأبطان سيوفهما معتقلان بنادقهما .
ولما اطلع « صاحب بك » على هذه الأحوال عرف بها استانبول وأظهر أنه عازم على السفر من حلب لينظر ما ذا يكون من الوالي . فسار إلى تكية المولوية لينام ليلته هناك ويتوجه من الصباح إلى جهة استانبول . فلما سمع الوالي خبر سفره ظنه صحيحا فاغتنم الفرصة وأمر بإحضار دوابّ المكارية « 1 » ليركب عليها المحبوسين وينفيهم ، وحينئذ فهم « صاحب بك » نيته وأظهر أنه عدل عن السفر فتوقف الوالي عن نفي المشار إليهم ، لكنه لم يبرح عن إصراره في حبسهم والتضييق عليهم ، بل كان يزيدهم تضييقا يوما فيوما . فلما كان اليوم السابع من ربيع الأول من هذه السنة ( 1404 ) أبرق « صاحب بك » للدولة يقول :
أنا عازم على الشخوص لاستانبول لأنني لا أستطيع البقاء في بلدة لا يعرف فيها النظام ولا القانون . وأبرق قائد الجندية النظامية في النهار المذكور للدولة يقول ما معناه : إنني غير مسؤول إذا حدث في حلب ما يخلّ بالسلام لأنني لم يبق لي نفوذ على القوة العسكرية .
هامش
( 1 ) جمع المكاري ، وهو الذي يؤجر الدوابّ ، ويغلب على الحمّار والبغّال .