تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
جماعة الدرك إلى الهرب منهم والالتجاء إلى الرباط العسكري ( القشلة ) . ونمي الخبر إلى الوالي فحضر إلى محل الثوار بنفسه لإخماد ثورتهم ، لكنه لما رأى جموعهم تجاه جامع التوبة ، وما هم عليه من العربدة والهيجان وإطلاق الرصاص ، هاله الخطب وانصرف عنهم ولسان حاله يقول : الهزيمة نصف الغنيمة . ولو أنه أظهر لهم الثبات وسطا عليهم بعض السطو لفلّت جموعهم وكفي شرّهم ، لكنه لما قدم عليهم ظنوه هو ومن معه جماعة العسس « 1 » ، ولم يعلموا أنه هو الوالي إلا بعد انصرافه . فلما علموا بخوفه ورخاوته زاد شغبهم وقويت نفوسهم . وفي نحو الساعة الثالثة من الليلة المذكورة مشوا بطبولهم وزمورهم إلى محلة الفرافرة ليوقعوا ببعض الأعيان لأنهم لم يدفعوا عنهم غائلة البدعتين المذكورتين ، مع قدرتهم على دفعهما على زعمهم . وكان الأعيان قد بلغهم قيام هؤلاء الغوغاء فتركوا منازلهم والتجئوا إلى الرّباط العسكري . ولما وصل الثائرون إلى محلة الفرافرة لم يجدوا في منازل الأعيان سوى الحريم والخدم فرفعوا أصواتهم بالسب والشتم وأطلقوا بعض العيارات النارية ، ثم توجهوا إلى محلة قارلق لمواجهة عبد اللّه بك ومطالبته بدفع البدعتين المذكورتين ، لأنه هو متسلم البلد وهو المسؤول عن دفع الحيف والظلم عن أهلها . وبينما هم عند سبيل الدلي محمود في قرب بانقوسا إذ تقابلوا مع تقي الدين أفندي المدرس . حدثني خادمه محمد آغا الفراش - وقد وظف بعد فراشا في المدرسة العثمانية وكنت مجاورا فيها - أن الثائرين لما قبضوا على تقي الدين أفندي - قال : وكنت معه - أضجعوه إلى الأرض وأرادوا ذبحه ، فقال بعضهم يحرم امتهان دم العالم وإراقته على الأرض كدم شاة . ثم تجرّد القائل من عباءته ومدّها تحت تقي الدين وقال : اذبحوه فوقها . وبينما هو يستعيث بهم ويطلب منهم الكفّ عنه إذ مرّ بهم الشيخ أحمد شنون - المعروف بالحجار - فتشفع به فعفوا عنه . قال خادمه محمد آغا : وقد أثر الرعب في تقي الدين حتى قطع نسله . ثم إن الثوار أخذوا معهم تقي الدين إلى عبد اللّه بك ليرى رأيه فيه . فلما وصلوا إليه أنكر عليهم عملهم وبعث به إلى الرباط العسكري ومعه من يحفظه وقال عبد اللّه بك للثائرين : ما ذا تريدون ؟ فقالوا : لا نعطي عسكرا ولا ضريبة ، وأنت في قدرتك إبطال
هامش
( 1 ) العسس : الحرّاس الذي يطوفون ليلا ، يحرسون الناس ، ويكشفون عن أهل الريبة .
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 286 | محمود فاخوري / كامل البالي الحلبي الشهير بالغزي / شوقي شعث