أنفسهم فمنهم من وفى شيئا من ديونه وعجز عن وفاء الباقي عليه ، ومنهم من لم تسمح نفسه بوفاء ديونه التي تستغرق ثروته وهو يوسف باشا .
وأما عبد اللّه بك فقد كانت ديونه أكثر من ديون جميع المدينين لكنه ليس عنده ما يفي بعشرها ، لأنه كان - كما قيل - نهابا وهابا . فاضطرته الحالة أن يستعين بذي رأي وتدبير على إيجاد وسيلة تدفع عنه هذه الغائلة ، فلم يركفؤا لهذه المهمة غير يوسف باشا ، فحضر إليه سرا وبعد أن تعاتبا وطرحا ما كان بينهما من التعاكس والتشاكس - اللذين تتطلب وحدة المصلحة طرحهما - تذاكرا في التماس وسيلة تدفع عنهما هذه المهمة المدلهمّة ، فقر رأيهما على أن يدبرا إحداث ثورة إرهابية وقتية تضطر الوالي إلى أن يستعين بهما إلى إطفاء نائرتها ، وعندها يرى من واجبه مسامحتهما بأموال المقاطعات المتأخرة بذمتهما . فقررا أن يذاع سرا بين الناس - بواسطة دهاة من سماسرتهما - تصميم الحكومة على أخذ عسكر بالقرعة ، وإضافة ضريبة الأملاك المعروفة في تلك الأيام باسم ( ترابيّة ) وأن يجسّم ضرر هاتين البدعتين في أفكار العامة من أتباعهما تجسيما يحملهم على أن يثوروا في طلب رفضهما من تلقاء أنفسهم دون أن يدعوهم إلى الثورة أحد ، تفاديا من وقوع تبعة الثورة على فرد معين .
قال المكانسي : وقد جرت هذه التدابير كلها من عبد اللّه بك ويوسف باشا على صورة خفية جدا ، بحيث كان الثائرون أنفسهم لا يعرفون سببا لثورتهم سوى معارضتهم لتصميم الحكومة على أخذ القرعة وإضافة ضريبة الأملاك ، وهم يجهلون كل الجهل اليد المحركة لثورتهم ، وأن يوسف باشا وعبد اللّه بك لم يقصدا في تدبير ما دبّراه سوى ثورة بسيطة إرهابية لا تبلغ درجة التفاقم وتصل إلى الحد الذي وصلت إليه ، ولو أنهما علما بما تجرّه هذه الثورة من الفظائع والمصائب وتعقبه من طائل المسؤولية ، لما كانا اقترفاها ، غير أنهما لما وصلت إلى ما وصلت إليه من الخطورة والتضخم لم يبق في قدرتهما منعها .
كيف كانت الثورة ؟ :
بعد عشاء الليلة الثانية من عيد الأضحى سنة 1266 تألب جماعة من العوامّ وزعمائهم في سوق باب النيرب ، وعولوا على إحداث ثورة ضد الحكومة . وأول عمل باشروه أنهم قصدوا جماعة الدرك في مخفرة باب الحديد ، وهددوهم بإطلاق عيارات نارية اضطرت