تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤

السبب الحقيقي لهذه الكارثة :

إذا علمت هذا تبين لك أن السبب الحقيقي لهذه الفتنة العمياء غير قضية الفرس وغير حكاية العشيرة ، بل السبب الصحيح أمر مستور دبّر بليل خفيّ على الناس في وقته فصاروا يرجمون به الظنون ، وكلّ يتكهن عنه حسب عقليته وحسبما شاهده من ظواهر الماجريات دون البحث عن بواطنها . إن السبب الحقيقي لهذه الكارثة قد بالغ من أوثق عقدته في ستره وإخفائه ، وأسدل عليه حجبا كثيفة من الكتمان صونا لحياته ، إذ لو كشف الستار عنه في تلك الأيام لما أحجمت الدولة قيد لحظة واحدة عن قتل ناسج برده ونافخ ناره . وإليك في بيان الحقيقة جملة استخلصتها من كلام المكانسي الذي كان في ذلك الزمن من خاصة الرجال المنتمين إلى يوسف باشا شريف ، المخلصين في محبته والمطّلعين على أسراره . قال : إن الدولة المصرية لما دخلت هذه البلاد أناطت متسلمية حلب بعبد اللّه بك البابنسي ، وهو من قدماء اليكجرية وله أتباع كثيرة في حلب وبرّها ، فكان عبد اللّه بك يأخذ المقاطعات الأميرية ويصرف أموالها على أتباعه وأعوانه من الحضر والبدو ، والحكومة المصرية لا تعارضه في ذلك ولا تطالبه بأموال المقاطعات لعلمها بأن صرفها على أتباعه مما يعود نفعه إليها ، فكأنها كانت تعتبر أتباعه كجند لها . ثم لما انسحبت الحكومة المصرية من حلب وعادت إليها الحكومة العثمانية أبقت متسلّميتها في عهدة عبد اللّه بك ، فكان يأخذ المقاطعات ويصرف أموالها على أتباعه كما كان معتادا عليه في عهد الحكومة المصرية . غير أن الحكومة العثمانية لما رسخ قدمها في حلب وغيرها من البلاد التي عادت إلى حكمها جعلت تطالب عبد اللّه بك وبقية رؤساء البلاد - ومنهم يوسف باشا - بما تأخر في ذممهم من أموال المقاطعات ، وهي مبالغ طائلة تعدّ بألوف الألوف ، وكان جل ثروات رؤساء البلاد مجموعة من تلك الأموال ، وكان ولاة حلب يتقاضون الرؤساء هذه الأموال فيما طلونهم بأدائها فيتساهلون معهم ولا يشددون في طلبهم ، إلى أن ولي حلب مصطفى ظريف باشا فرأى أن أموال المقاطعات المتأخرة في ذمم الرؤساء قد بلغت ألوفا مؤلفة ، وأن الدولة في ذلك الحين على أشد الحاجة إلى المال فجعل الوالي يشدد على الرؤساء الطلب حتى بلغ من تشديده أن هددهم ببيع أملاكهم وحبسهم وكسر شرفهم . فاضطربوا وذلّت