على ذلك قس ابن ساعده « 1 » ، ولم ينكر في هذا الشأن من شأنه الإنكار ولا المساعدة ، ولو رآهم ابن العميد « 2 » لعمد إلى ترك ما ادعاه ، ولصير سيف بلاغته غميدا « 3 » بعد ما انتضاه ، ولو سمع بهم سحبان « 4 » لسحب أذيال الخجل وندم على دعواه الفصاحة وعدل ، فليست فضيلتهم استعارة مبناها التشبيه ، إذ لا مثل لهم ولا شبيه ، بل حقيقية مصرحة ، ومكنية مرشحة ، مجردة عن ترك الأينه ، الفاعلون الجود ، وكل فاعل مرفوع والمنصبون لإكرام الوفود ، من رفيع وموضوع ، فباهت بهم الشهباء ، وأمنت بتركهم من اللأواء « 5 » :
وكيف لا تباهي ، وقد حوت الشرف الغير المتناهي « 6 » ، بل يحق أن تفخر على الزوراء ، لتفردها بالرتبة العلياء ، حوت رجالا هم الجبال ، وسادة متسمين بمحاسن الأفعال :
أبناء مجد كرام قبل ما فطموا * على « 7 » الرضاع لأخلاق الندى جلبوا
قوم إذا ذكروا الرحمن من وجل * لانوا وإن شهدوا يوم الوغى صعبوا
لا يسكن « 8 » الحقّ إلّا حيثما سكنوا * وليس يذهب إلّا حيثما ذهبوا
إذا تنشقت ريّاهم عرفتهم * بأنهم من جناب القدس قد قربوا
أطال الله بقاء الموالي ، أصحاب الشرف الباذخ العالي ، ومتع المسلمين بمدة حياتهم ، وأعاد علينا وعليهم عوائد دعواتهم ، آمين .
هامش
( 1 ) خطيب جاهلي ، من حكماء العرب ، اشتهر بخطبه البليغة .
( 2 ) ابن العميد ، محمد بن الحسين بن محمد ، من الوزراء الأدباء ، توفي سنة 360 ه / 971 م .
( 3 ) يريد : مغمدا .
( 4 ) سحبان بن وائل ، خطيب فصيح ، يضرب به المثل بالفصاحة .
( 5 ) اللأواء : الشدة والمحنة .
( 6 ) الأصح غير المتناهي .
( 7 ) كذا في أو في ب ( عن ) .
( 8 ) في ب ( لا يسكنوا ) .