ونقلت ممّن رأى كلام ابن الصباغ في ترجمة أبي البركات ما نصّه : لما ورد مدينة فاس في غرض الهناء والعزاء على أمير المسلمين أبي بكر السعيد بن أمير المؤمنين أبي عنان ، وأبصر الدار غاصّة « 1 » بأرباب الدولة الفاسية ولم يعدم منها عدا شخصه ، والولد على أريكة أبيه أنشد : [ الكامل ]
لمّا تبدّلت المجالس أوجها * غير الذين عهدت من جلسائها
ورأيتها محفوفة بسوى الألى * كانوا حماة صدورها وبنائها
أنشدت بيتا سائرا متقدّما * والعين قد شرقت بجاري مائها
( أمّا القباب فإنها كقبابهم * وأرى نساء الحيّ غير نسائها )
وأظن أنه تمثّل بالأبيات في سرّه ، وإلّا فيبعد أن يقولها في ذلك الحفل لما في ذلك من التعرّض للهلك ، واللّه سبحانه أعلم .
وحكى بعضهم أنه كان جالسا في دهليز بيته مع بعض الأصحاب ، فدخلت زوجته من الحمّام وهي بغير سراويل لقرب الحمام من البيت ، فانكشف ساقها ، فدخل خلفها مسرعا ، وغاب ساعة ثم خرج وأنشد : [ الكامل ]
كشفت على ساق لها فرأيته * متلألئا كالجوهر البراق
لا تعجبوا إن قام منه قيامتي * إنّ القيامة يوم كشف الساق « 2 »
وله في خديم اسمه يحيى احتجم محجمة واحدة : [ الطويل ]
أراني يحيى صنعة في قفائه * مهذّبة لمّا تبادر للباب
أرى الخمس فيها لا تفارق ساعة * فصوّر بالموسى بها شكل محراب
وتوفي الشيخ القاضي أبو البركات المذكور بشوّال سنة 771 رحمه اللّه تعالى ! .
[ من أشياخ لسان الدين أبو زكريا يحيى بن هذيل ( ترجمة ) ]
ومن أشياخ لسان الدين ، رحمه اللّه تعالى ، الشيخ الحكيم العلامة التعاليمي ، الشاعر البليغ ، أعجوبة زمانه في الاطلاع على علوم الأوائل ، أبو زكريا يحيى بن هذيل « 3 » ، وقد قال في « الإحاطة » في حقّه ما ملخّصه : يحيى بن أحمد بن هذيل ، التجيبي ، أبو زكريا ، شيخنا ، جرى ذكره في « التاج المحلى » بما نصّه : درّة بين الناس مغفلة ، وخزانة على كل فائدة مقفلة ،
هامش
( 1 ) غاصة : مزدحمة .
( 2 ) يشير إلى قوله تعالى :يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
( 3 ) انظر الإحاطة ص 381 .