غير منتسب لسبب من الأسباب ، ولا مخلّ بأدب من الآداب ، قد عرف شأنه وزمانه ، وملكت مكارم الأخلاق عنانه « 1 » ، لا ينتصر لنفسه ، ولا يتفكّر في غده وأمسه ، العلم خليله ، والقرآن دليله ، والحقّ حفيظه ووكيله ، نظره إلى الخلق بالرحمة ، ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة ، انتهى .
وأحوال هذا الشيخ عجيبة ، وكراماته شهيرة ، وإنما ذكرنا هذا النّزر « 2 » اليسير تبرّكا بذكره رضي اللّه عنه في هذا الكتاب ، وتطفلا على رب الأرباب أن ينفعنا بأمثاله ويحقّق لنا النجاة والمتاب ، إنه على ذلك قدير .
رجع إلى أخبار أبي البركات - ولمّا وقع بينه وبين ابن صفوان ما يقع بين المتعاصرين ردّ عليه ابن صفوان ، فانتصر لأبي البركات بعض طلبته بتأليف سمّاه « شواظ من نار ونحاس ، يرسل على من لم يعرف قدره وقدر غيره من الناس » وهو قدر رسالة الشيخ أو أطول ، وألفي على ظهره بخطّ الشيخ أبي البركات ما صورته : [ السريع ]
قد شبع الكلب كما ينبغي * من حجر صلد ومن مقرع
فإن يعد من بعد ذا للّذي * قد كان منه فهو ممن نعي
ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه اللّه تعالى قوله : [ الطويل ]
يلومونني بعد العذار على الهوى * ومثلي في وجدي له لا يفنّد « 3 »
يقولون أمسك عنه قد ذهب الصّبا * وكيف أرى الإمساك والخيط أسود « 4 »
وقوله في المجبنات : [ الطويل ]
ومصفرّة الخدّين مطويّة الحشا * على الجبن والمصفرّ يؤذن بالخوف « 5 »
لها بهجة كالشمس عند طلوعها * ولكنها في الحين تغرب في الجوف « 6 »
هامش
( 1 ) أصل العنان - بكسر العين - سير اللجام الذي تمسك به الراية .
( 2 ) النزر - بالفتح - القليل .
( 3 ) لا يفند : لا يتهم بالكذب .
( 4 ) في البيتين تورية ؛ فالإمساك يطلق على الصوم . والخيط الأسود يطلق على الليل وهو من قوله تعالى :كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِوأراد بالإمساك الكف عن الحب . وبالخيط الأسود العذار .
( 5 ) مطوية الحشا : أي ضامرة .
( 6 ) أخذ ذلك من قوله تعالى في قصة ذي القرنينحَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ