بعدنا وإن جاورتنا البيوت * وجئنا بوعظ ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة * كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنّا عظاما فصرنا عظاما * وكنّا نقوت فها نحن قوت « 1 »
وكنّا شموس سماء العلا * غربنا فناحت علينا السّموت « 2 »
فكم جدّلت ذا الحسام الظّبا * وذو البخت كم جدّلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقة * متى ملئت من كساه التّخوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب * وفات ، ومن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له * فقل : يفرح اليوم من لا يموت
انتهى كلام ابن خلدون في « ديوان العبر » .
[ حديث للحافظ ابن حجر عن مقتل لسان الدين ]
وقال الحافظ ابن حجر في « أنباء الغمر » بعد أن ذكر ما قدمناه على سبيل الاختصار ، ما نصّه : واشتهر أنه - يعني لسان الدين - نظم حين قدّم للقتل الأبيات المشهورة التي يقول فيها :
[ المتقارب ]
وقل للعداة مضى ابن الخطيب * وفات فسبحان من لا يفوت « 3 »
فمن كان يشمت منكم به * فقل : يشمت اليوم من لا يموت
والصحيح في ذلك ما ذكره صديقه شيخنا ولي الدين ابن خلدون أنه نظم الأبيات المذكورة وهو في السجن ، لما كان يستشعر من التشديد ؛ انتهى .
ثم حكى ابن حجر عن بعض الأعيان أنّ ابن الأحمر وجّهه إلى ملك الإفرنج في رسالة ، فلمّا أراد الرجوع أخرج له رسالة لابن الخطيب تشتمل على نظم ونثر ، فلمّا قرأها قال له : مثل هذا كان ينبغي أن لا يقتل ، ثم بكى حتى بلّ ثيابه ؛ انتهى كلام الحافظ ، وبعضه بالمعنى .
فانظر - سدّدك اللّه تعالى - بكاء العدوّ الكافر على هذا العلّامة ، وقتل إخوانه في الإسلام له على حظّ نفساني ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم ، لا ربّ غيره .
[ تخميس بعض بني الصباغ لأبيات لسان الدين التي قالها وهو في السجن ]
قلت : ورأيت بحضرة فاس - حاطها اللّه تعالى ! - تخميسا لهذه الأبيات بديعا منسوبا إلى
هامش
( 1 ) عظاما الأولى : جمع عظيم . وعظاما الثانية : جمع عظم .
( 2 ) في ب « غربن فناحت علينا السماوات » .
( 3 ) العداة - بضم العين - جمع عاد بمعنى العدو ولا يكون جمع عدو .