فلقيت بها أعلاما درجوا « 1 » فأمست بعدهم خلاء بلقعا « 2 » . فمنهم الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن يحيى الباهلي ، عرف بابن المسفر ، باحثته واستفدت منه ، وسألني عن اسم كتاب الجوهري فقلت له : من الناس من يقول الصّحاح بالكسر ومنهم من يفتح ، فقال : إنما هو بالفتح بمعنى الصحيح ، كما ذكره في باب صح ، قلت : ويحتمل أن يكون مصدر صح كحنان .
وكتب إلى بعض أصحابه بجواب رسالة صدّره بهذين البيتين : [ الكامل ]
وصلت صحيفتكم فهزّت معطفي * فكأنما أهدت كؤوس القرقف « 3 »
وكأنها ليل الأمان لخائف * أو وصل محبوب لصبّ مدنف « 4 »
ومنهم قاضيها أبو عبد اللّه محمد ابن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي ؛ فقيه ابن فقيه ، كان يقول : من عرف ابن الحاجب اقرأ به المدوّنة قال : وأنا أقرأ به المدونة .
ومنهم أبو علي حسين بن حسين إمام المعقولات بعد ناصر الدين .
ومنهم خطيبها أبو العباس أحمد بن عمران ، وكان قد ورد تلمسان ، وأورد بها على قول ابن الحاجب في حدّ العلم « صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض » الخاصة إلّا أن يزاد في الحدّ « لمن قامت به » ؛ لأنها إنما توجب فيه تميزا لا تمييزا ، وهذا حسن .
ومنهم الشيخان أبو عزيز وأبو موسى بن فرحان ، وغيرهم من أهل عصرهم .
[ ذكر شيوخه في تونس ]
ثم رحلت إلى تونس فلقيت بها قاضي الجماعة وفقيهها أبا عبد اللّه بن عبد السلام ، فحضرت تدريسه ، وأكثرت مباحثته ، ولما نزلت بظاهر قسمطينة تلقّاني رجل من الطلبة ، فسألني عن هذه الآية
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
[ المائدة : 67 ] فإنّ ظاهرها أنّ الجزاء هو الشرط : أي وإن لم تبلّغ فما بلغت ، وذلك غير مفيد ، فقلت : بل هو مفيد ، أي : وإن لم تبلّغ في المستقبل لم ينفعك تبليغك في الماضي : لارتباط أول الرسالة بآخرها ، كالصلاة ونحوها ، بدليل قصة يونس ، فعبر بانتفاء ماهية التبليغ عن انتفاء المقصود منه ، إذ كان إنما يطلب ولا يعتبر بدونه ، كقوله عليه الصلاة والسلام « لا صلاة إلّا بطهور » ثم اجتمعت بابن عبد السلام
هامش
( 1 ) درجوا : ماتوا .
( 2 ) بلقع ، بزنة جعفر : خالية لا أحد فيها .
( 3 ) القرقف : - بفتح القافين بينهما راء ساكنة : الخمر .
( 4 ) الصب - بفتح الصاد وتشديد الباء - العاشق . والمدنف : الذي أضناه العشق وأمرضه . وفي ب « وكأنها نيل الأمان . . . » .