وسمعته يقول : المؤذنون يدعون أولياء اللّه إلى بيته لعبادته ، فلا يصدّهم عن دعائهم ظلمة ولا شتاء ولا طين ، ويصرفونهم عن الاشتغال بما لم يبين لهم ، فيخرجونهم ويغلقون الأبواب دونهم .
ووجدته ذات يوم في المسجد ذاكرا ، فقلت له : كيف أنت ؟ فقال
فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
[ الروم : 15 ] فهممت بالانصراف ، فقال : أين تذهب من روضة من رياض الجنّة يقام بها على رأسك بهذا التاج ؟ وأشار إلى المنار مملوءا اللّه أكبر .
مرّ ابن شاطر يوما على أبي العباس أحمد بن شعيب الكاتب « 1 » وهو جالس في جامع الجزيرة ، طهّره اللّه تعالى ! وقد ذهبت به الكفرة ، فصاح به ، فلمّا رفع رأسه إليه قال له : انظر إلى مركب عزرائيل هذا ، وأشار إلى نعش هنالك ، قد رفع شراعه ونودي عليه الطلوع يا غزي .
وأكل يوما مع أبي القاسم عبد اللّه بن رضوان الكاتب جلجلانا « 2 » ، فقال له أبو القاسم :
إنّ في هذا الجلجلان لضربا من طعم اللوز ، فقال ابن شاطر : وهل الجلجلان إلّا لوزة دقة ؟
وسئل عن العلّة في نضارة الحداثة ، فقال : قرب عهدها بالله ، فقيل له : فممّ تغير الشيوخ ؟ فقال : من بعد العهد من اللّه ، وطول الصحبة مع الشياطين ، فقيل له : فبخر أفواههم « 3 » ؟ فقال : من كثرة ما تفل الشياطين فيها .
وكان يسمّى الصغير : فأر المصطكي ، قال لي ابن شاطر : لقيت عمّي ميمونا المعروف بدبير لقرب موته وقد اصفرّ وجهه وتغيّرت حالته ، فقلت له : ما بالك ؟ وكان قد خدم الصالحين ورزق بذلك القبول ، فقال : انسدّت الزربطانة فطلع ، يعني العذرة ، يشير إلى الاحتقان للطبيعة .
أنشدني ابن شاطر قال : أنشدني أبو العباس بن البنّاء لنفسه : [ الوافر ]
قصدت إلى الوجازة في كلامي « 4 »
الأبيات .
وأخبار ابن شاطر عندي تحتمل كراسة ، فلنقنع منها بهذا القدر .
[ ذكر جماعة من شيوخ المقري الكبير بتلمسان ]
فصل - ولما دخلت تلمسان على بني عبد الواد تهيّأ لي السفر منها ، فرحلت إلى بجاية ،
هامش
( 1 ) انظر نيل الابتهاج ص 68 .
( 2 ) الجلجلان : حب السمسم .
( 3 ) البخر : رائحة الفم .
( 4 ) الوجازة - بفتح الواو - الاختصار والإيجاز .