لكن مصيرك للنعيم مخلّدا * كان الذي أبقى على الأرماق « 1 »
ومن العجائب أن يرى بحر الندى * طود الهدى يسري على الأعناق « 2 »
إن يحملوك على الكواهل طالما * قد كنت محمولا على الأحداق
أو يرفعوك على العواتق طالما * رفّعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننا * نصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلّفته * لثنى عنانك كثرة الإشفاق
إن جنّ ليل جنّ من فرط الأسى * وسوى كلامك ما له من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث به * ميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبّر مثل ما * أرخصت درّ الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإنني * أسقي الضريح بدمعي المهراق
وكانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى وستين وسبعمائة .
قال ابن الخطيب القسمطيني في وفياته : وفي هذه السنة - يعني سنة 761 - توفي شيخنا قاضي الجماعة بغرناطة ، حرسها اللّه تعالى ، أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني ، وكتب لي بالإجازة العامة بعد التمتّع بمجلسه ، وله شعر مدوّن سمّاه « جهد المقلّ » وله الشرح على الخزرجية في العروض ، وأقدم عليها بعد أن عجز الناس عن فكّها ، وكان إماما في الحديث والفقه والنحو ، وهو على الجملة ممّن يحصل الفخر بلقائه ، ولم يكن أحد بعده مثله بالأندلس ؛ انتهى .
وقال في « الإحاطة » إنّ مولد الشريف كان سنة سبع وتسعين وستمائة ، وإنّ وفاته سنة ستين وسبعمائة . وفي وفاته مخالفة لما تقدّم ، واللّه أعلم .
وما أحسن قول الشريف أبي القاسم المترجم به : [ الوافر ]
حدائق أنبتت فيها الغوادي * ضروب النّور رائقة البهاء « 3 »
فما يبدو بها النّعمان إلّا * نسبناه إلى ماء السماء « 4 »
[ أبناء القاضي الحسين المذكور ]
وكان للشريف أبي القاسم المذكور ابنان نجيبان : أحدهما قاضي الجماعة أبو المعالي ،
هامش
( 1 ) الأرماق : جمع رمق ، وهو بقية الروح في البدن .
( 2 ) الطود : الجبل .
( 3 ) الغوادي : جمع غادية ، وهي السحابة التي تمطر وقت الغداة . والنّور : الزهر .
( 4 ) النعمان : شقائق النعمان وهو نبت ذو زهر أحمر . وماء السماء : ماء المطر ، وفي البيت تورية .