أهل السعاية والنميمة ، وسجّلوا عليه المقالات الذميمة ، وقد صار الجميع إلى حكم عدل قادر يحيي من العظم رميمه ، وينصف المظلوم من الظالم ، ويجازي الجاهل والعالم ، ويساوي بين المأمور والآمر ، والشريف والمشروف ، والعزيز والحقير ، والمنكر والمعروف ، وعفوه سبحانه مؤمل بعد ، وهو لا يخلف الوعد ، ومن سبقت له العناية ، لم تضره الجناية . وقد كان لسان الدين بن الخطيب - رحمه اللّه تعالى ! - محبا في العفو حتى إنه كان إذا جرى لديه ذكر عقوبة الملوك لأتباعهم تشمئز نفسه من ذلك ويقول ما معناه : ما ضرهم لو عفو ، ورأيت له - رحمه اللّه تعالى ! -
[ استعطاف الوزير أبي بكر بن عمار إلى المعتمد بن عباد حين قبض عليه ]
في بعض مؤلّفاته قد أجرى ذكر استعطاف ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار للسلطان المعتمد بن عباد حين قبض عليه بقوله : [ الطويل ]
سجاياك إن عافيت أندى وأسمح * وعذرك إن عاقبت أولى وأوضح
وإن كان بين الخطّتين مزيّة * فأنت من الأدنى إلى اللّه أجنح « 1 »
وما ذا عسى الأعداء أن يتزايدوا * سوى أنّ ذنبي ثابت ومصحّح « 2 »
وإنّ رجائي أنّ عندك غير ما * يخوض عدوّي اليوم فيه ويمرح
أقلني بما بيني وبينك من رضا * له نحو روح اللّه باب مفتّح « 3 »
ولا تلتفت قول الوشاة وزورهم * فكلّ إناء بالذي فيه يرشح
وقالوا : سيجزيه فلان بذنبه * فقلت : وقد يعفو فلان ويصفح
ألا إنّ بطشا للمؤيد يرتمي * ولكنّ حلما للمؤيّد يرجح
وبين ضلوعي من هواه تميمة * ستشفع لو أنّ الحمام يجلّح « 4 »
سلام عليه كيف دار به الهوى * إليّ فيدنو أو عليّ فينزح « 5 »
ويهنيه إن رمت السلوّ فإنني * أموت ولي شوق إليه مبرّح
ما نصه : ولابن عمار كلمات شهيرة تعالج بمراهمها جراح القلوب ، وتعفّي على هضبات الذنوب ، لولا ما فرغ عنه من القدر المكتوب ، والأجل المحسوب ، إلى أن قال : وما كان أجمل بالمعتمد أن يبقي على جان من عبيده ، قد مكّنه اللّه منن عنقه ، لا يؤمّل الحصول على أمره ، ولا يحذر تعصّب قبيله ، ولا يزيده العفو عنه إلّا ترفّعا وعزّة وجلالة وهمّة ، وذكرا جميلا
هامش
( 1 ) أجنح : أكثر جنوحا ، أي أكثر ميلا .
( 2 ) في ب « أن يتزيّدوا » .
( 3 ) أقلني : أنهضني من عثرتي .
( 4 ) يجلّح : أراد : يشتدّ .
( 5 ) فينزح : فيبعد .