تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
صيّر فؤادك للمحبوب منزلة * سمّ الخياط مجال للمحبّين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة * فقلّما تسع الدنيا بغيضين
وأخذه من قول الخليل « ما تضايق سمّ الخياط بمتحابّين ، ولا اتّسعت الدنيا لمتباغضين » « 1 » . وكان الخليل على نمرقة صغيرة ، والمجلس متضايق ، فدخل عليه بعض أصحابه ، فرحّب به وأجلسه معه على النمرقة ، فقال له الرجل : إنها لا تسعنا ، فقال ما ذكر . وقال ابن بسام أيضا : أمر الحاجب المنذر بن يحيى التّجيبي ، صاحب سرقسطة ، بعرض بعض الجند في بعض الأيام ، ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال ، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك ، فقال ابن هند الداني « 2 » فيه ارتجالا : [ الطويل ]
أعن بابل أجفان عينيك تنفث * ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث « 3 »
أفي الحقّ أن تحكي سرافيل نافخا * وأمكث في رمس الصّدود وألبث
عساك ، نبيّ الحسن ، تأتي بآية * فتنفخ في ميت الصّدود فيبعث
قال : وكان بقرطبة غلام وسيم ، فمرّ عليه ابن فرج الجيّاني ، ومعه صاحب له ، فقال صاحبه : إنه لصبيح لولا صفرة فيه ، فقال ابن فرج ارتجالا : [ البسيط ]
قالوا : به صفرة عابت محاسنه * فقلت : ما ذاك من عيب به نزلا
عيناه تطلب في أوتار من قتلت * فلست تلقاه إلّا خائفا وجلا
قال : وكان يوما مع لمّة من أهل الأدب في مجلس أنس ، فاحتاج رب المنزل إلى دينار ، فوجّه إلى السوق ، فدخل به عليهم غلام من الصيارف في نهاية الجمال ، فرمى بالدينار إليهم من فيه تماجنا ، فقال ابن فرج : [ الكامل ]
أبصرت دينارا بكفّ مهفهف * يزهى به من كثرة الإعجاب
أوما به من فيه ثم رمى به * فكأنه بدر رمى بشهاب « 4 »
قال « 5 » : وخرج الأديب أبو الحسن بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة ، فتذكّر إشبيلية ، فقال بديها : [ المتقارب ]
هامش
( 1 ) في ه : « بمتباغضين » . ( 2 ) في ب : « ابن هندو » . ( 3 ) تنفث : تسحر . ( 4 ) أوما : أشار وأصله أومأ ، فخفف الهمز . ( 5 ) انظر بدائع البداءة ج 2 ص 124 .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 89 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي