تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وللّه درّ محمد بن سفر أحد شعرائنا المتأخّرين عصرا ، المتقدّمين قدرا ، حيث نقل السعي إلى محبوبته فقال وليته لم يزل يقول مثل هذا ، فبمثله ينبغي أن يتكلّم ، ومثله يليق أن يدوّن : [ الطويل ]
وواعدتها والشمس تجنح للنوى * بزورتها شمسا وبدر الدجى يسري
فجاءت كما يمشي سنا الصبح في الدجى * وطورا كما مرّ النسيم على النهر
عطّرت الآفاق حولي فأشعرت * بمقدمها والعرف يشعر بالزهر
فتابعت بالتقبيل آثار سعيها * كما يتقصّى قارىء أحرف السطر
فبتّ بها والليل قد نام والهوى * تنبّه بين الغصن والحقف والبدر « 1 »
أعانقها طورا وألثم تارة * إلى أن دعتنا للنوى راية الفجر
ففضّت عقودا للتعانق بيننا * فيا ليلة القدر اتركي ساعة النفر « 2 »
وهل منكم من قيّد بالإحسان فأطلق لسانه الشكر ، فقال وهو ابن اللّبّانة : [ الطويل ]
بنفسي وأهلي جيرة ما استعنتهم * على الدهر إلّا وانثنيت معانا
أراشوا جناحي ثم بلّوه بالندى * فلم أستطع من أرضهم طيرانا
ومن يقول وقد قطع عنه ممدوحه ما كان يعتاده منه من الإحسان ، فقابل ذلك بقطع مدحه له ، فبلغه أنه عتبه على ذلك ، وهو ابن وضّاح : [ الكامل ]
هل كنت إلّا طائرا بثنائكم * في دوح مجدكم أقوم وأقعد
إن تسلبوني ريشكم وتقلّصوا * عنّي ظلالكم فكيف أغرّد
وهل منكم شاعر رأى الناس قد ضجّوا من سماع تشبيه الثغر بالأقاح ، وتشبيه الزهر بالنجوم ، وتشبيه الخدود بالشقائق ، فتلطّف لذلك في أن يأتي به في منزع يصيّر خلقه في الأسماع جديدا ، وكليله في الأفكار حديدا ، فأغرب أحسن إغراب ، وأعرب عن فهمه بحسن تخيّله أنبل إعراب ، وهو ابن الزقاق : [ المنسرح ]
وأغيد طاف بالكؤوس ضحى * وحثّها والصباح قد وضحا
والروض أهدى لنا شقائقه * وآسه العنبريّ قد نفحا
هامش
( 1 ) الحقف : ما استطال واعوجّ من الرمل . ( 2 ) النّفر : الإسراع إلى أمر ، وهو الهجران .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 37 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي