المصنّف ، فقلت : انظروا من يقرأ لكم ، وأمسكت أنا كتابي ، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده ، فقرأه عليّ من أوّله إلى آخره ، فعجبت من حفظه ، وكان أعمى ابن أعمى .
وابن سيده المذكور هو أبو الحسن علي بن أحمد بن سيده ، وهو صاحب كتاب « المحكم » .
ومن نظمه ممّا كتب به إلى ابن الموفّق : [ الطويل ]
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى * سبيل فإنّ الأمن في ذاك واليمنا
ومنها :
ضحيت فهل في برد ظلّك نومة * لذي كبد حرّى وذي مقلة وسني
وتوفي ابن سيده المذكور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وعمره نحو الستين ، رحمه اللّه تعالى !
[ المظفر بن الأفطس وحبه للعلم ]
ومن حكاياتهم في حبّ العلم أنّ المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس كان كما قال ابن الأبّار كثير الأدب ، جمّ المعرفة ، محبّا لأهل العلم ، جمّاعة للكتب ، ذا خزانة عظيمة ، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة ، قاله ابن حيان .
وقال ابن بسام « 1 » : كان المظفر أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع ، وله التصنيف الرائق ، والتأليف الفائق ، المترجم ب « التذكرة » والمشتهر أيضا اسمه بالكتاب المظفّري ، في خمسين مجلّدا ، يشتمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وخبر وجميع ما يختصّ به علم الأدب ، أبقاه للناس خالدا ، وتوفي المظفر سنة ستين وأربعمائة .
وكان يحضر العلماء للمذاكرة ، فيفيد ويستفيد ، رحمه اللّه تعالى !
[ من كبار مؤلفات أهل الأندلس ومن دعابات أهل الأندلس ]
ومن التآليف الكبار لأهل الأندلس كتاب « السماء والعالم » الذي ألّفه أحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة ، وهو مائة مجلّد ، رأيت بعضه بفاس ، وتوفي ابن أبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ، رحمه اللّه تعالى ! .
ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم « 2 » ، وأجوبة بديهية مسكتة ، والظّرف فيهم والأدب كالغريزة ، حتى في صبيانهم ويهودهم ، فضلا عن علمائهم وأكابرهم .
هامش
( 1 ) انظر الذخيرة ج 2 ص 255 .
( 2 ) في ه : « مجاورتهم » بالجيم ، محرفا .