وما زلت ألهج بما أفادنيه شيخي من أماليه ، وأتصفح الدهر الذي جمعته فيه « 1 » ، من أسافله إلى أعاليه ، واستشكل على الأحباب والأصحاب في أثناء المسامرة ، ما أفادنيه سيدي من تسمية المرحوم القاضي التنوخي كتابه « نشوار المحاضرة » حتى ظفرت بأصلها في القاموس في مادة « نشر » ، فإذا هي عربية محضة ، فإنه قال : « ونشورت الدابة نشوارا : أبقت من علفها » ولقد تعجبت من بلاغة هذه التسمية وعذوبتها ، وحسن المجاز فيها مع سلاستها وسهولتها ، وأحببت عرضها على شيخي حفظه اللّه تعالى ليفرح لي بين تلامذته كما فرح طبعي به حفظه اللّه تعالى بين أساتذته ، وليعلم أني لم أنس ما أفادنيه في خلال المحاورة ، أيام المؤانسة والمجاورة ، فو اللّه إنه سميري ، في ضميري ، وكليمي ، ما بين عظمي وأديمي « 2 » : [ بحر الطويل ]
يديرونني عن سالم وأديرهم * وجلدة بين العين والأنف سالم « 3 »
الطرس طما وما مضت قصتنا * لاذنب لنا حديثنا لذّ فطال « 4 »
وحرر يوم السبت المبارك غرة جمادى الآخرة من شهور سنة ثمان وثلاثين بعد الألف ، أحسن اللّه ختامها بحرمة محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، والحمد للّه وحده ، عبده الفقير الحقير المشتاق ، المذنب المقصر لسيده عن اللحاق ، الذي لم يبرح عن العهد المتين ، أحمد الشامي بن شاهين ، انتهى .
ولو تتبعت ما له حفظه اللّه تعالى من النظم والنثر ، اللذين غلب فيهما بلغاء أهل العصر ، بالشام ومصر ، وغيرهما من الأقطار ، لا زال مقامه مقضي الأوطار ، لاستوعبت ، الأسفار .
وفي الإشارات ما يغني عن الكلم ، وقد تقدم في خطبة هذا التأليف ، ذكر شيء من نظمه ونثره وأنه هو السبب الداعي إلى جمع هذا التصنيف ، واللّه سبحانه يديم جنابه السرى الشريف ، ويبوئه من العز الظل الوريف « 5 » ، فلقد أولى من الحقوق ما لا نؤدي بعضه فضلا عن كله ، وناهيك بما جلبناه من كلامه دليلا على شرفه وفضله .
ورسالته هذه إلي كانت جوابا عن مكتوب كتبته إليه من جملته : [ بحر السريع ]
يا من له طائر صيت علا * في الجو فاصطاد الشريد الشديد
هامش
( 1 ) في ب ، ه : « الذي جمعته عنه » . .
( 2 ) أديمي : جلدي .
( 3 ) البيت لزهير بن أبي سلمى .
( 4 ) الطرس : الصحيفة .
( 5 ) يبوئه : ينزله . والظل الوريف : الظليل الممتد .