وبألفاظك اهتدى فإذا عزّا * ك قال الذي له قلت قبلا
قد بلوت الخطوب حلوا ومرّا * وسلكت الأيام حزنا وسهلا
وقتلت الزمان علما فما يغ * رب قولا وما يجدّد فعلا
قلت : هذه واللّه حلى مولانا الأستاذ الذي عرف للزمان فعله ، وفهم قوله ، قد استعارها أبو الطيب وحلّى بها مخدومه سيف الدولة ، وكيف أستطيع إرشاد شيخي لطريق الصبر ، وأذكره بالثواب والأجر ، وكيف وأنا الذي استقيت من ديمه « 1 » ، واهتديت إلى سبيل المعروف بشيمه ، وسلكت جادة البراعة بهداية ألفاظه ، وارتقيت إلى سماء البلاغة برعاية ألحاظه ، وهل يكون التلميذ معلما ، وهل يرشد الفرخ قشعما « 2 » ، وكيف يعضد الشبل الأسد ، وهو ضعيف المنّة والمدد ، ومن يعلم الثغر الابتسام ، والصدر الالتزام ، ويختبر الحسام ، وهو مجرب صمصام ، وهل تفتقر الشمس في الهداية إلى مصباح ؟ وهل يحتاج البدر في سراه إلى دلالة الصباح ؟ ذلك مثل شيخي ومثل من يرشده إلى فلاح أو نجاح ، وإنما نأخذ عنه ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة ، ونحذو حذوه في الطريق الموصّلة إلى الجنة ، ثم لما وصلت في هذه القصيدة إلى قول أبي الطيب : [ بحر الخفيف ]
إن خير الدموع عينا لدمع * بعثته رعاية فاستهلا
رأيته قد أبدع فيه كل الإبداع ، ونظم ما كاد « 3 » يجري الدمع من طريق السماع ، فقلت :
إنا للّه ! وأكثرت الاسترجاع « 4 » ، وقلت في نفسي : إن ذلك الدمع الذي بعثته رعاية الحقوق ، هو دمع شيخي الذي حمى اللّه قلبه الشفوق من العقوق ، للمصيبة في الأم ، التي حزنها يغم ، ومصابها يعم ، وكيف لا يعمنا مصابها ، وقد كمل للمصيبة كفاها اللّه بموتها نصابها ، هذا مع الفقد للسليلة الجليلة « 5 » ، والكريمة الخليلة وأي دمع لم تبعثه تلك الرعاية ؟ وأي نفس لا تتمنى أن تكون لسيدنا من كل ما يكره وقاية ؟ وأي كبد قاسية ، لم تكن لأحبابها مواسية ؟ وأنى يتسنّى ، للعبد المعنّى ، تسلية شيخه وهو الصبور الشكور ، العارف بالأمور ، العالم بتصاريف الدهور ؟ وما ظننت أن بناني ، يساعدني على تحرير بياني ، لتعزية شيخي حفظه اللّه تعالى في أصله وفرعه ، وضرعه وزرعه ، وفرعه ونبته ، وأمه وبنته ، أما الوالدة الماجدة فإني إن أمسكت
هامش
( 1 ) الديم : جمع ديمة ، وهي السحابة الممطرة .
( 2 ) القشعم : المسن من الناس والنسور .
( 3 ) في ب ، ه : « ما يكاد » .
( 4 ) الاسترجاع : قول « إنا للّه وإنا إليه راجعون » .
( 5 ) السليلة : أراد ابنته .