تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وإلا فما بال أفق الدجى * كأن سنا البرق فيه استطارا « 1 »
ونحن من الليل في حندس * فما باله قد تجلّى نهارا « 2 »
وكان أبو الحسين بن جبير المترجم به قد نال بالأدب دنيا عريضة ، ثم رفضها وزهد فيها . وقال صاحب « الملتمس » في حقه : الفقيه الكاتب أبو الحسين بن جبير ، ممن لقيته وجالسته كثيرا ورويت عنه ، وأصله من شاطبة ، وكان أبوه أبو جعفر من كتابها ورؤسائها ، ذكره ابن اليسع في تاريخه ، ونشأ أبو الحسين على طريقة أبيه ، وتولع بغرناطة ، فسكن بها ، قال : ومما أنشدنيه لنفسه قوله يخاطب أبا عمران الزاهد بإشبيلية : [ بحر الوافر ]
أبا عمران قد خلّفت قلبي * لديك وأنت أهل للوديعة
صحبت بك الزمان أخا وفاء * فها هو قد تنمّر للقطيعه « 3 »
قال : وكان من أهل المروءات ، عاشقا في قضاء الحوائج ، والسعي في حقوق الإخوان ، والمبادرة لإيناس الغرباء ، وفي ذلك يقول : [ بحر الرمل ]
يحسب الناس بأني متعب * في الشفاعات وتكليف الورى
والذي يتعبهم من ذاك لي * راحة في غيرها لن أفكرا
وبودي لو أقضّي العمر في * خدمة الطلاب حتى في الكرى « 4 »
قال : ومن أبدع ما أنشده رحمه اللّه تعالى أول رحلته : [ الخفيف ]
طال شوقي إلى بقاع ثلاث * لا تشدّ الرحال إلا إليها
إن للنفس في سماء الأماني * طائرا لا يحوم إلا عليها
قصّ منه الجناح فهو مهيض * كلّ يوم يرجو الوقوع لديها « 5 »
وقال : [ بحر المتقارب ]
إذا بلغ العبد أرض الحجاز * فقد نال أفضل ما أمّ له « 6 »
فإن زار قبر نبي الهدى * فقد أكمل اللّه ما أمّله
هامش
( 1 ) استطار : انتشر والسنا : الضوء . ( 2 ) الحندس : الظلمة الشديدة . ( 3 ) تنمر : أصبح كالثمر ، وأراد تنكر وغدر . ( 4 ) الكرى : النوم . ( 5 ) الجناح المهيض : المسكور مرة بعد مرة . ( 6 ) أم له : قصد .