تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
الزاهرة قصره العظيم ، وسماه « دار الروضة » وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبنائين من كل قطر ، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية ، ثم أخذ في بناء المستنزهات « 1 » ، فاتخذ منية الناعورة خارج القصور ، وساق لها الماء من أعلى الجبل على أبعد مسافة ، ثم اختط مدينة الزهراء ، واتخذها لنزله ، وكرسيا لملكه ، وأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما عفّى على مبانيهم الأولى ، واتخذ فيها محلات للوحش فسيحة الفناء ، متباعدة السياج ، ومسارح للطيور مظللة بالشباك ، واتخذ فيها دورا لصناعة الآلات من آلات السلاح للحرب والحلى للزينة وغير ذلك من المهن ، وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس ، انتهى . وأما الزهراء فهي من مباني المنصور محمد بن أبي عامر . قال ابن خلدون في « 2 » أثناء كلامه على المنصور ما صورته « 3 » : وابتنى لنفسه مدينة لنزله سماها الزاهرة ، ونقل إليها جزءا من الأموال والأسلحة ، انتهى .

[ الزاهرة ]

وقال غيره ، وأظنه صاحب المطمح : وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أمر المنصور بن أبي عامر ببناء الزاهرة ، وذلك عندما تكامل « 4 » واستفحل أمره ، واتقد جمره « 5 » ، وظهر استبداده ، وكثر حسّادة وأضداده « 6 » وأنداده ، وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان ، وخشي أن يقع في أشطان « 7 » ، فتوثق لنفسه ، وكشف له ما ستر عنه في أمسه ، من الاعتزاز عليه ، ورفع الاستناد إليه ، وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه ، ويحله بأهله وذويه ، ويضم إليه رياسته ، ويتم به تدبيره وسياسته ، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه ، فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة ، الموصوفة بالقصور الباهرة ، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم ، ونسّق فيها كل اقتدار معجز ونظم ، وشرع في بنائها في هذه السنة المؤرخة ، وحشد الصناع والفعلة ، وجلب إليها الآلات الجليلة ، وسربلها بهاء يرد الأعين كليلة ، وتوسع في اختطاطها ، وتولّع بانتشارها في البسيطة وانبساطها ، وبالغ في رفع أسوارها ، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها ، فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة ، وصار بناؤها من الأنباء الغريبة ، وبنى معظمها في عامين .
هامش
( 1 ) في ب ، ه : المنتزهات . ( 2 ) في : غير موجودة في ب . ( 3 ) ابن خلدون ج 4 ص 188 . ( 4 ) تكامل و : غير موجودة في ب . ( 5 ) اتقد جمره : أي علا شأنه . ( 6 ) وأضداده : غير موجودة في ب . ( 7 ) أشطان : جمع شطن ، وهو الحبل الطويل .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 95 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي