تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
إنّ البناء إذا تعاظم شأنه * أضحى يدلّ على عظيم الشّان
قال : فما أدري أهذا شعره أم تمثل به ؟ فإن كان شعره فقد بلغ به إلى غاية الإحسان وإن كان تمثل به فقد استحقه بالتمثل به في هذا المكان ، وكان منذر يكثر تعنيفه « 1 » على البنيان ، ودخل عليه مرة وهو في قبة قد جعل قرمدها من ذهب وفضة ، واحتفل فيها احتفالا ظن أن أحدا من الملوك لم يصل إليه ، فقام خطيبا والمجلس قد غصّ بأرباب الدولة ، فتلا قوله تعالى
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ
( 33 ) [ الزخرف : 33 ] الآية وأتبعها بما يليق بذلك ، فوجم الملك ، وأظهر الكآبة ، ولم يسعه إلا الاحتمال لمنذر بن سعيد لعظم قدره في علمه ودينه . وحضر معه يوما في الزهراء ، فقام الرئيس أبو عثمان بن إدريس فأنشد الناصر قصيدة منها . [ الطويل ]
سيشهد ما أبقيت أنّك لم تكن * مضيعا وقد مكّنت للدّين والدّنيا
فبالجامع المعمور للعلم والتّقى * وبالزّهرة الزّهراء للملك والعليا
فاهتز الناصر ، وابتهج ، وأطرق منذر بن سعيد ساعة ، ثم قام منشدا : [ السريع ]
يا باني الزّهراء مستغرقا * أوقاته فيها أما تمهل
للّه ما أحسنها رونقا * لو لم تكن زهرتها تذبل
فقال الناصر : إذا هب عليها نسيم التذكار والحنين ، وسقتها مدامع الخشوع يا أبا الحكم لا تذبل إن شاء اللّه تعالى ، فقال منذر : اللهم اشهد أني قد بثثت ما عندي ولم آل نصحا ، انتهى . ولقد صدق القاضي منذر رحمه اللّه تعالى فيما قال ، فإنها ذبلت بعد ذلك في الفتنة ، وقلب ما كان فيها من منحة محنة ، وذلك عندما ولي الحجابة عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الملقب بشنجول ، وتصرف في الدولة مثل ما تصرف أخوه المظفر وأبوهما المنصور ، فأساء التدبير ، ولم يميز بين الفتيل والنقير « 2 » ، فدس إلى المؤيد هشام بن الحكم من خوّفه منه حتى ولاه عهده كما بينا نص العهد فيما سبق ، فأطبق الخاصة والعامة على بغضه ، وإضمار السوء له ، وذلك سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ، فعند ذلك خرج عليه محمد بن هشام بن
هامش
( 1 ) في ب : تعنيته على البنيان . ( 2 ) الفتيل : الخيط من شق النواة أو البذرة . والنقير : الحفرة الصغيرة التي تكون في بذرة التمر ، وفي ب : القبيل والدبير .