تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
النفوس شمه ، وتستدفع الأكف ضمه ، وأنا أمتع يابسا ورطبا ، وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء ، وأصرف في منافع الأعضاء ، فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي ، فلا غرو أن الوشي ضعيف ، والهوى لطيف ، والمسك خفيف ، وليس المجد يدرك بالصّراع ، وقد أودعت أيد اللّه مولانا قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه ، وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما ، فقديما فضل الحاضر وإن كان مفضولا ، ولذا قالوا : ألذ الطعام ما حضر لوقته ، وأشعر الناس من أنت في شعره ، فلمولانا أتم الحكم في أن يفصل بحكمه العدل ، وأقول : [ الكامل ]
شهدت لنوّار البنفسج ألسن * من لونه الأحوى ومن إيناعه
« 1 »
لمشابه الشّعر الأعمّ أعاره ال * قمر المنير الطّلق نور شعاعه
ولربّما جمع النّجيع من الطّلى * من صارم المنصور يوم قراعه
فحكاه غير مخالف في لونه * لا في روائحه وطيب طباعه
ملك جهلنا قبله سبل العلا * حتّى وضحن بنهجه وشراعه
في سيفه قصر لطول نجاده * وتمام ساعده وفسحة باعه
ذو همّة كالبرق في إسراعه * وعزيمة كالحين في إيقاعه
« 2 »
تلقى الزّمان له مطيعا سامعا * وترى الملوك الشّمّ من أتباعه
وما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف حديقة : [ الكامل ]
وحديقة مخضرّة أثوابها * في قضبها للطّير كل مغرّد
نادمت فيها فتية صفحاتهم * مثل البدور تنير بين الأسعد
والجدول الفضّيّ يضحك ماؤه * فكأنّه في العين صفح مهنّد
وإذا تجعّد بالنّسيم حسبته * لمّا تراه مشبها للمبرد
وتناثرت نقط على حافاته * كالعقد بين مجمّع ومبدّد
وتدحرجت للنّاظرين كأنّها * درّ نثير في بساط زبرجد
« 3 » وكان بحمام الشطارة بإشبيلية صورة بديعة الشكل فوصفها بعض أهل الأندلس بقوله : [ الوافر ]
هامش
( 1 ) الأحوى من كان لونه بلون الحديد . ( 2 ) الحين ، بفتح الحاء : الموت . ( 3 ) في ه : وترجرجت للناظرين .