رجع إلى الأندلس سنة 360 ، واتصل بالحكم المستنصر وابنه المؤيد ، وله في التكسير « 1 » كتاب حسن .
قال صاعد : تمهر في الطب « 2 » ، ونبل فيه ، وأحكم كثيرا من أصوله ، وعانى صنعة المنطق معاناة صحيحة ، وكان شيخه فيه أبو سليمان محمد بن محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني البغدادي ، وكان قبل أن يتطبب مؤدبا للحساب والهندسة ، وأخبرني أبو عثمان سعيد الطليطلي ، أنه لم يلق في قرطبة من يلحق محمد بن عبدون في صناعة الطب ، ولا يجاريه في ضبطها وحسن دربته فيها وإحكامه لغوامضها رحمه اللّه تعالى ! .
163 - ومن الراحلين إلى المشرق من أهل الأندلس أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر « 3 » ، الإيادي ، الأندلسي « 4 » .
صاحب البيت الشهير بالأندلس ، رحل المذكور إلى المشرق ، وتطبب به زمانا ، وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ، ثم القيروان ، ثم استوطن مدينة دانية « 5 » ، وطار ذكره فيها إلى أقطار الأندلس والمغرب ، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى فاق أهل زمانه ، ومات في مدينة دانية ، رحمه اللّه تعالى ! .
ووالده محمد بن مروان كان عالما بالرأي حافظا للأدب ، فقيها ، حاذقا بالفتوى ، متقدما فيها ، متقنا للعلوم ، فاضلا ، جامعا للدراية والرواية ، وتوفي بطلبيرة « 6 » سنة 422 ، وهو ابن ست وثمانين سنة ، حدث عنه جماعة من علماء الأندلس « 7 » ، ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل ، رحمه اللّه تعالى ! .
وأما أبو العلاء زهر بن عبد الملك المذكور فقال ابن دحية فيه : إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه ، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه ، وتوفي ممتحنا « 8 » من نغلة « 9 » بين كتفيه سنة 525 بمدينة قرطبة ، انتهى .
هامش
( 1 ) التكسير : علم من علوم التنجيم .
( 2 ) في ه : « تمهر بالطب » .
( 3 ) في السيوطي : « ابن زهير » محرفا .
( 4 ) انظر ترجمته في ابن أبي أصيبعة ج 2 ص 66 .
( 5 ) دانية : مدينة بشرقي الأندلس ، حسنة لها ربض عامر ، وعليها سور حصين . ( صفة جزيرة الأندلس ص 76 ) .
( 6 ) طلبيرة : هي أقصى ثغور المسلمين بالأندلس وهي مدينة كبيرة ( صفة جزيرة الأندلس ص 128 ) .
( 7 ) في ب : « الأندلس » .
( 8 ) ممتحن : مبتليا .
( 9 ) النغلة : فساد الجرح .