تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
ثم آل الأمر بعد ذلك كله إلى استيلاء ملوك العدوة من الملثمين والموحّدين ، على قرطبة ، إلى أن تسلمها النصارى ، أعادها اللّه تعالى للإسلام ! كما يذكر في الباب الثامن . وقال صاحب « مناهج الفكر » في ذكر قرطبة ، ما ملخصه : فأما ما اشتمل عليه غرب الجزيرة ، من البلاد الخطيرة ، فمنها قرطبة ، وكانت مقر الملك ، ودار الإمارة ، وأمّ ما عداها من البلاد ، منذ افتتحها المسلمون سنة 92 زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن خرجت عن أيديهم ، وتنقلت في أيدي ملوك المسلمين إلى أن وصلت إلى الناصر عبد الرحمن ، فبنى في تجاهها مدينة سماها الزهراء ، يجري بينهما نهر عظيم ، انتهى .

[ وصف المباني العظيمة ]

واعلم أن المباني دالة على عظيم قدر بانيها ، كما ذكرناه في كلام الناصر الذي طابت له من الزهراء مجانيها ، ولم يزل البلغاء يصفون المباني ، بأحسن الألفاظ والمعاني ، ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك ، زيادة في توسيع المسالك ، فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي « 1 » يصف دارا بناها المعتمد على اللّه « 2 » : [ الطويل ]
ويا حبّذا دار قضى اللّه أنّها * يجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى
« 3 »
مقدّسة لو أن موسى كليمه * مشى قدما في أرضها خلع النّعلا
وما هي إلّا خطّة الملك الّذي * يحطّ إليه كلّ ذي أمل رحلا
« 4 »
إذا فتحت أبوابها خلت أنّها * تقول بترحيب لداخلها أهلا
وقد نقلت صنّاعها من صفاته * إليها أفانينا فأحسنت النّقلا
فمن صدره رحبا ومن نوره سنى * ومن صيته فرعا ومن حلمه أصلا
فأعلت به في رتبة الملك ناديا * وقلّ له فوق السّماكين أن يعلى
نسيت به إيوان كسرى لأنّني * أراه له مولى من الحسن لا مثلا
كأنّ سليمان بن داود لم تبح * مخافته للجنّ في صنعه مهلا
هامش
( 1 ) ابن حمديس الصقلي : هو عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس . ولد ونشأ في سرقوسة ثم هاجر إلى الأندلس ، ومدح المعتمد بن عباد إلى أن عزل عن ملكه ، فغادر الشاعر الأندلس إلى المغرب ، وظل يتنقل إلى أن توفي سنة 527 ه . ( انظر مقدمة ديوانه ط صادر بيروت ) . ( 2 ) انظر ديوان الشاعر ص 375 - 380 . ( 3 ) البيت في الديوان :ويا حبذا دار يد اللّه مسحت * عليها بتجديد البقاء فما تبلى( 4 ) في ب : يخطّ إليه كل ذي أمل رجلا .