تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
إذا كنت أعلم علم اليقين * بأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها * وأجعلها في صلاح وطاعه
وقد ذكرناهما فيما يأتي قريبا من كلام الفتح ، لكوننا نقلنا كلامه بلفظه ، رحمه اللّه تعالى ، ورضي عنه ! . وقال في القلائد في حق الباجي رحمه اللّه تعالى ، ما صورته : بدر العلوم اللائح ، وقطرها الغادي الرائح ، وثبيرها الذي لا يزحم ، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم ، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره ، وتنتجع نجوده وأغواره ، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهرا ، وقطف من العلم أزاهرا ، وتفنن في اقتنائه ، وثنى إليه عنان اعتنائه ، حتى غدا مملوء الوطاب ، وعاد بلح طلبه إلى الإرطاب ، فكر إلى الأندلس بحرا لا تخاض لججه ، وفجرا لا يطمس منهجه ، فتهادته الدول ، وتلقته الخيل والخول ، وانتقل من محجر إلى ناظر ، وتبدل من يانع بناضر ، ثم استدعاه المقتدر بالله فصار إليه مرتاحا ، وبدا بأفقه ملتاحا ، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه ، وبدا وخده في سبل الهدى « 1 » وإيضاعه ، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه ، وإيثاره لحضرته باستيطانه ، ويحتفل فيما يرتبه له ويجريه ، وينزله في مكانه متى كان يوافيه ، وكان له نظم يوقفه على ذاته ، ولا يصرفه في رفث القول وبذاته « 2 » . فمن ذلك قوله في معنى الزهد : [ المتقارب ]
إذا كنت أعلم علم اليقين * بأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها * وأجعلها في صلاح وطاعه
وله يرثي ابنيه وماتا مغتربين ، وغربا كوكبين ، وكانا ناظري الدهر ، وساحري النّظم والنثر : [ الطويل ]
رعى اللّه قبرين استكانا ببلدة * هما أسكناها في السّواد من القلب
لئن غيّبا عن ناظري وتبوّآ * فؤادي لقد زاد التّباعد في القرب
يقرّ بعيني أن أزور ثراهما * وألصق مكنون التّرائب بالتّرب
« 3 »
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّني * سأنجد من صحب وأسعد من سحب
هامش
( 1 ) في ب ، ه : في سبل العلم . والوخد والإيضاع : ضربان من السير السريع . ( 2 ) رفث القول : فحش الكلام . وبذاته : وبذاءته . ( 3 ) الترائب : عظام الصدر مما يلي الترقوتين . والترب : المقصود : تربة القبر .