تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
واعلم أن هراة المنسوب إليها الحافظ أبو ذر ليست بهراة التي وراء النهر نظيرة بلخ ، وإنما هي هراة بني شيمانة بالحجاز ، وبها كان سكنى أبي ذر ، واللّه تعالى أعلم . رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي رحمه اللّه تعالى - ثم إنه - أعني الباجي - قدم بغداد ، وأقام بها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه ، ويقرأ الحديث ، فلقي بها عدّة من العلماء كأبي الطيب الطبري والإمام الشهير أبي إسحاق الشيرازي والصّيمري وابن عمروس المالكي ، وأقام بالموصل سنة مع أبي جعفر السّمناني يأخذ عنه علم الكلام ؛ فبرع في الحديث وعلله ورجاله ، وفي الفقه وغوامضه وخلافه . وفي الكلام ومضايقه ، وتدبج مع الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي بحيث روى كل واحد منهما عن الآخر ، رضي اللّه تعالى عنهما ونفع بهما ! ورجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جمّ حصّله مع الفقر والتّعفّف . ومما يفتخر به أنه روى عنه حافظا المغرب والمشرق أبو عمر بن عبد البر والخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي ، وناهيك بهما ، وهما أسنّ منه وأكبر ، وأبو عبد اللّه الحميدي ، وعلي بن عبد اللّه الصّقلي ، وأحمد بن علي بن غزلون ، وأبو بكر الطرطوشي ، وأبو علي بن الحسين السّبتي ، وأبو بحر سفيان بن العاصي ، وممن روى عنه ابنه أبو القاسم أحمد ، وكان لما رجع إلى الأندلس فشا علمه ، وتهيأت الدنيا له ، وعظم جاهه ، وأجزلت له الصّلات ، فمات عن مال وافر ، وترسل للملوك « 1 » ، وولي القضاء بعدة مواضع ، رحمه اللّه تعالى ! . وأما ما تقدم عن القاضي أبي الوليد الباجي من إجراء حديث الكتابة على ظاهره فهو قول بعض ، والصواب خلافه ، قال القاضي أبو الفضل عياض : حدّثنا محمد بن علي المعروف بابن الصيقل الشاطبي من لفظه ، قال : حدثني أبو الحسن بن مفوز قال : كان أبو محمد بن أحمد بن الحاج الهوّاري من أهل جزيرة شقر ممن لازم الباجي وتفقه عنده ، وكان يميل إلى مذهب الباجي في جواز مباشرة النبي صلى اللّه عليه وسلم الكتابة بيده في حديث المقاضاة في الحديبية على ما جاء في ظاهر بعض رواياته ، ويعجب به ، وكنت أنكر ذلك عليه ، فلما كان بعد برهة أتاني زائرا على عادته ، وأعلمني أن رجلا من إخوانه كان يرى في النوم أنه بالمدينة ، وأنه يدخل المسجد ، فيرى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أمامه ، فتحدث « 2 » له قشعريرة وهيبة عظيمة ، ثم يراه ينشقّ ويميد ، ولا يستقر ، فيعتريه منه فزع عظيم ، وسألني عن عبارة رؤياه ، فقلت : أخشى على صاحب هذا المنام أن يصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغير صفته ، أو ينحله « 3 » ما ليس له بأصل « 4 » ، أو لعله يفتري
هامش
( 1 ) ترسل : كتب الرسائل . ( 2 ) في ب ، ه : فيجد له قشعريرة . ( 3 ) ينحله : ينسب إليه . ( 4 ) في ه : ما ليس له بأهل .