تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الرّبض الشرقي منفصلة عن دوره ، ويتصل بها حمّام له غلة واسعة ، وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاما في حجر القاضي ، فأرسل الخليفة من قوّمها له بعد ما طابت نفسه ، وأرسل ناسا أمرهم بمداخله وصى الأيتام في بيعها عليهم ، فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي ، إذ لم يجز بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته ، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار ، فقال لرسوله : البيع على الأيتام لا يصح إلا لوجوه : منها الحاجة ، ومنها الوهي الشديد ، ومنها الغبطة « 1 » ، فأما الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع ، وأما الوهي فليس فيها ، وأما الغبطة فهذا مكانها ، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت وصيهم بالبيع ، وإلا فلا ، فنقل جوابه إلى الخليفة ، فأظهر الزهد في شراء الدار طمعا أن يتوخّى رغبته فيها ، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام ثورتها « 2 » ، فأمر وصيّ الأيتام بنقض الدار وبيع أنقاضها ، ففعل ذلك وباع الأنقاض ، فكانت لها قيمة أكثر مما قومت به للسلطان ، فاتصل الخبر به ، فعز عليه خرابها ، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها ، فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك ، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر ، وقال له : أأنت « 3 » أمرت بنقض دار أخي نجدة ؟ فقال له : نعم ، فقال : وما دعاك إلى ذلك ؟ قال : أخذت فيها بقول اللّه تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
( 79 ) [ الكهف : 79 ] مقوّموك لم يقوموها « 4 » إلا بكذا ، وبذلك تعلق وهمك ، فقد نضّ « 5 » في أنقاضها أكثر من ذلك ، وبقيت القاعة والحمام فضلا ، ونظر اللّه تعالى للأيتام ، فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك ، وقال : نحن أولى من انقاد إلى الحق ، فجزاك اللّه تعالى عنا وعن أمانتك خيرا ! . قالوا : وكان - على متانته وجزالته - حسن الخلق ، كثير الدّعابة ، فربما ساء ظنّ من لا يعرفه ، حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري ، فمن ذلك ما حدث به سعيد ابنه قال : قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم مع أبينا للإفطار بداره البرانية ، فإذا سائل « 6 » يقول : أطعموني « 7 » من عشائكم أطعمكم اللّه تعالى من ثمار الجنة ، هذه الليلة ، ويكثر من ذلك ، فقال القاضي إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا أحد « 8 » .
هامش
( 1 ) أراد بالغبطة المنفعة الظاهرة للأيتام . ( 2 ) في ب : الأيتام سورتها . ( 3 ) في ب : وقال له : أنت . ( 4 ) في ب ، ه : لم يقدروها . ( 5 ) نضّ : حصل . ( 6 ) في ه : فإذا بسائل وفي المطمح : فإذا بسائل يقول : يا أهل هذه الدار الصالح أهلها أطعمونا . ( 7 ) في ب : أطعمونا . ( 8 ) في ب ، ه : واحد .