تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
طابت بطيب لثاتك الأقداح * وزهت بحمرة خدّك التّفّاح
وإذا الرّبيع تنسّمت أرواحه * طابت بطيب نسيمك الأرواح
« 1 »
وإذا الحنادس ألبست ظلماءها * فضياء وجهك في الدّجى مصباح
« 2 » فكتبها القاضي في ظهر يده ، وخرج من عنده ، قال يونس بن عبد اللّه : فلقد رأيته يكبر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبة على ظهر كفه . وكان رحمه اللّه تعالى في غاية اللطف ، حكى بعض أصحابه قال : ركبنا معه في موكب حافل من وجوه الناس ، إذ عرض لنا فتّى متأدب قد خرج من بعض الأزقّة سكران يتمايل ، فلما رأى القاضي هابه ، وأراد الانصراف ، فخانته رجلاه ، فاستند إلى الحائط ، وأطرق ، فلما قرب القاضي رفع رأسه وأنشأ « 3 » يقول : [ الطويل ]
ألا أيّها القاضي الّذي عمّ عدله * فأضحى به بين الأنام فريدا
قرأت كتاب اللّه تسعين مرّة * فلم أر فيه للشّراب حدودا
فإن شئت جلدا لي فدونك منكبا * صبورا على ريب الزّمان جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منّة * تروح بها في العالمين حميدا
وإن أنت تختار الحديد فإنّ لي * لسانا على هجو الزّمان حديدا
فلما سمع شعره وميز أدبه أعرض عنه وترك الإنكار عليه ، ومضى لشأنه ، انتهى ملخصا من المطمح . ورأيت بخطي في بعض مسوّداتي ما صورته : محمد بن عبد اللّه بن يحيى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة ، سمع عم أبيه عبيد اللّه بن يحيى ومحمد بن عمر بن لبابة وأحمد بن خالد ، ورحل من قرطبة سنة 313 « 4 » ، ودخل مصر ، وحج ، وسمع بمكة من ابن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي « 5 » ، وكان حافظا ، معتنيا بالآثار ، جامعا للسّنن ، متصرفا في علم الإعراب ، ومعاني الشعر ، شاعرا مطبوعا ، وشاوره القاضي أحمد بن بقي ، واستقضاه الناصر
هامش
( 1 ) في ه : تنسمت أدواحه . . . الأدواح . ( 2 ) الحنادس : جمع حندس ، وهو الليل الشديد الظلمة . ( 3 ) في تاريخ قضاة الأندلس : ثم أنشأ يقول : ( تاريخ قضاة الأندلس ص 61 ) . ( 4 ) في ب : سنة 312 . ( 5 ) في ب : وابن الأعرابي وغيرهم .