تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
ويكاد من يرقى إليه مرّة * من عمره يشكو انقطاع الأبهر
« 1 » ودخل ليلة على المنصور والمنصور قد اتكأ وارتفق ، وتحلى بمجلسه ذلك الأفق ، والدّنيا بمجلسه ذلك مسوقة ، وأحاديث الأماني به منسوقة ، فأمره بالنزول عنده « 2 » فنزل في جملة الأصحاب ، والقمر يظهر ويحتجب في السحاب ، والأفق يبدو به أغر ثم يعود مبهما ، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدهما ، وأبو مروان قد انتشى ، وجال في ميدان الأنس ومشى ، وبرد خاطره قد دبجه السرور ووشى ، فأقلقه ذلك المغيب والالتياح ، وأنطقه ذلك السرور والارتياح ، فقال : [ الوافر ]
أرى بدر السّماء يلوح حينا * فيبدو ثمّ يلتحف السّحابا
وذلك أنّه لمّا تبدّى * وأبصر وجهك استحيا فغابا
مقال لو نمى عندي إليه * لراجعني بذا حقّا جوابا
وله في مدة اعتقاله ، وتردّده في قيله وقاله : [ الكامل ]
شحط المزار فلا مزار ، ونافرت * عيني الهجوع فلا خيال يعتري
أزري بصبري وهو مشدود القوى * وألان عودي وهو صلب المكسر
« 3 »
وطوى سروري كلّه وتلذّذي * بالعيش طيّ صحيفة لم تنشر
ها إنّما ألقى الحبيب توهّما * بضمير تذكاري وعين تذكّري
عجبا لقلبي يوم راعتني النّوى * ودنا وداع كيف لم يتفطّر
« 4 » رجع إلى المنصور : وكان المنصور إذا أراد أمرا مهما شاور أرباب الدولة والأكابر « 5 » من خدام الدولة الأموية ، فيشيرون عليه بالوجه الذي عرفوه وجرت الدولة الأموية عليه ، فيخالفهم إلى المنهج الذي ابتدعه ، فيقضون في أنفسهم بالهلاك في الطريق الذي سلكه ، والمهيع الذي اخترعه « 6 » ، فتسفر العاقبة عن السلامة التامة التي اقتضاها سعده ، فيكثرون التعجب من موارد أموره ومصادرها . وقيل له مرة : إن فلانا مشؤوم فلا تستخدمه ، فقال : أف لسعد لا يغطي على شؤمه ، فاستخدمه ، ولم ينله من شؤمه الذي جرت به العادة شيء .
هامش
( 1 ) الأبهر : وريد العنق . ( 2 ) عنده : غير موجودة في ب . ( 3 ) في ب ، ج : مشدود العرى . ( 4 ) في ه ، ب : ودنا وداعي كيف لم يتفطر . وتفطر : تصدع . ( 5 ) في ب : أرباب الدولة الأكابر . ( 6 ) المهيع : الطريق البيّن الواسع .