أبوه : فما الحدث المقلق ؟ فأعلمه ، فأمر بحمل الدّية عنه وعن عشيرته من بيت المال ، فسرّ هشام وأطنب في الشكر ، وكتب الأمير إلى ولده سليمان في ترك التعرّض لهذا الكناني لما لم يدر في خلده « 1 » . ولمّا دخل الكناني لوداع هشام قال له : يا سيدي ، قد تجاوزت بك حدّ الأمنية ، وبلغت غاية النصر ، وقد أغنى اللّه عن العقد المبذول بين يدي العناية الكريمة ، فتعيده إلى صاحبته ، فأبى من ذلك ، وقال : لا سبيل إلى رجوعه إلينا .
وكان هشام يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز ، وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى الكور فيسألون الناس عن سير عمّاله ، ويخبرونه بحقائقها ، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه وأنصف منه ، ولم يستعمله بعد .
ولمّا وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس قال : نسأل اللّه تعالى أن يزيّن موسمنا بمثل هذا « 2 » .
وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة ، واشترط على المعاهدين من أهل جلّيقية من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور أربونة المفتتحة يحملونها إلى باب قصره بقرطبة ، وبنى منه المسجد الذي قدّام باب الجنان ، وفضلت منه فضلة بقيت مكوّمة .
وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروبا ، ثم كانت الدائرة له .
وقصد إلى بلاد الحرب غازيا ، وقصد ألبة « 3 » والقلاع ، فلقي العدوّ وظفر بهم ، وفتح اللّه عليه سنة خمس وسبعين . وبعث العساكر إلى جلّيقية مع يوسف بن نجية « 4 » ، فلقي ملكها ابن منده « 5 » ، وهزمه ، وأثخن في العدوّ .
وفي سنة ست وسبعين بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدوّ ، فبلغ ألبة والقلاع ، فأثخن في نواحيها ، ثم بعثه في العساكر سنة سبع وسبعين إلى أربونة وجريدة « 6 » فأثخن فيها ، ووطئ أرض برطانية ، وتوغّل عبد الملك في بلاد الكفّار وهزمهم ، ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع سنة ثمان وسبعين ، ومع أخيه
هامش
( 1 ) لما لم يدر في خلده : ساقطة في ب .
( 2 ) في ب : ليت أن اللّه تعالى زين . . . .
( 3 ) ألبة : لم أجد ألبة في صفة جزيرة الأندلس ولا في معجم البلدان وإنما وجدت « أولية السهلة » في ( صفة جزيرة الأندلس ص 34 ) .
( 4 ) في ب : يوسف بن نجت .
( 5 ) في ب : برمند .
( 6 ) في ب : جرندة .