تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد جلّيقية ، فانتهى إلى أسترقة ، فجمع له ملك الجلالقة واستمدّ بملك البشكنس ، ثم خام « 1 » عن اللقاء . ورجع أدراجه ، واتّبعه عبد الملك ، وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى ، فالتقوا بعبد الملك ، وأثخنوا في البلاد ، واعترضهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ، ثم خرجوا سالمين ظافرين . ومن محاسنه أنه جدّد القنطرة التي يضرب بها المثل بقرطبة كما سبق ، وكان بناها السّمح الخولاني عامل عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه عنه ، فأحكم هشام بناءها إلى الغاية ، وقال يوما لأحد وزرائه : ما يقول أهل قرطبة ؟ فقال : يقولون : ما بناها الأمير إلّا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه ، فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها ، فلم يمرّ عليها بعد ، ووفى بما حلف عليه . ومن محاسنه أيضا إكمال بناء الجامع بقرطبة ، وكان أبوه قد شرع فيه ؛ ومن محاسنه أنه أخرج المصدّق « 2 » لأخذ الزكاة على الكتاب والسّنّة ، رحمه اللّه .

[ الحكم بن هشام وحروبه وفتوحه وصفاته واثاره في الدولة ]

ثم توفي سنة ثمانين ومائة ، لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته ، وقيل : لثمان - وكان من أهل الخير والصلاح ، كثير الغزو والجهاد - وعمره أربعون سنة وأربعون أشهر ، وولد في شوّال سنة 137 « 3 » . وولي بعده ابنه الحكم بعهد منه إليه « 4 » ، فاستكثر من المماليك ، وارتبط الخيل ، واستفحل ملكه ، وباشر الأمور بنفسه . وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عمّيه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين ، وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين ، وتأخّرت عساكر المسلمين إلى ما دونها ، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة ، فأثخنوا فيها ، وخالفهم العدوّ إلى المضايق ، فرجع على التعبية ، وظفر بهم ، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافرا . وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض « 5 » من قرطبة لأنه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته ، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة ، مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما ، فثاروا به ، وخلعوه ، وبايعوا بعض قرابته ، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة ، وكان محلّة متّصلا « 6 » بقصره ، فقاتلهم الحكم ، فغلبهم ، وافترقوا ، وهدم دورهم ومساجدهم ، ولحقوا بفاس من أرض العدوة ،
هامش
( 1 ) خام عن لقاء العدو : جبن وتراجع . ( 2 ) المصّدّق : عامل الزكاة ، وهو الذي يجبيها ممن وجبت عليه من السملمين . ( 3 ) في ب : 139 . ( 4 ) انظر ابن خلدون 4 : 125 . ( 5 ) الرّبض : ضواحي المدينة وما حولها من مساكن . ( 6 ) في ب : متصلة .