الأندلس ، ونزل بباجة الأندلس داعيا لأبي جعفر المنصور ، واجتمع إليه خلق ، فسار عبد الرحمن إليه ولقيه بنواحي إشبيلية ، فقاتله أياما . ثم انهزم العلاء ، وقتل في سبعة آلاف من أصحابه ، وبعث عبد الرحمن برءوس كثير منهم إلى القيروان ومكّة ، فألقيت في أسواقها سرّا ، ومعها اللواء الأسود ، وكتاب المنصور للعلاء ، فارتاع المنصور لذلك وقال : ما هذا إلّا شيطان ، والحمد للّه الذي جعل بيننا وبينه البحر ، أو كلاما هذا معناه ، وقد مرّ ذكر ذلك .
وكثرت ثورة رؤساء العرب بالأندلس على عبد الرحمن الداخل ، ونافسوه ملكه ، ولقي منهم خطوبا عظيمة ، وكانت العاقبة له ، واستراب في آخر أمره بالعرب ، لكثرة من قام عليه منهم ، فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم ، واتخاذ الموالي ، ثم غزا بلاد الإفرنج والبشكنس ومن وراءهم ، ورجع بالظّفر ، وكان في نيّته أن يجدّد دولة بني مروان بالمشرق ، فمات دون ذلك الأمل ، وكانت مدة ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر ، إذ دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة ، ومات سنة اثنتين وسبعين ، وقيل : إحدى وسبعين ومائة ، في خلافة الرشيد ، وأمّه أمّ ولد بربرية اسمها راح ، ومولده سنة ثلاث عشرة ومائة ، بدير حنّا « 1 » من أرض دمشق ، وقيل :
بالعليا من تدمر ، ومات أبوه في أيام أبيه هشام سنة ثماني عشرة عن إحدى وعشرين سنة ، وكفله وإخوته جدّهم هشام ، ووهب لعبد الرحمن هذا جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء بالأندلس ، وأقطعه إيّاها ، ووجّه لحيازتها من الشام سعيد بن أبي ليلى ، وقيل : إنه لمّا قصد المغرب من فلسطين خرج معه أربعة : بدر مولى أبيه ، وأبو شجاع ، وزياد ، وعمرو ، وقيل :
إنّ بدرا لحقه ولم يخرج معه ، فاللّه أعلم ، وخلف من الولد عشرين ، منهم أحد عشر رجلا وتسع إناث .
[ هرب عبد الرحمن من الشام ووصوله إلى الأندلس ]
وحكى غير واحد أنه لمّا هرب من الشام إلى إفريقية قاصدا الأندلس نزل بمغيلة ، فصار بها عند شيخ من رؤساء البربر يدعى وانسوس ، ويكنى أبا قرّة ، فاستتر عنده وقتا ، ولحق به بدر مولى أبيه بجوهر وذهب أنفذته أخته إليه ، فلمّا دخل الأندلس واستتبّ أمره به سار إليه أبو قرة وانسوس البربري ، فأحسن إليه ، وحظي عنده ، وأكرم زوجته تكفات البربرية التي خبأته تحت ثيابها عندما فتّشت رسل ابن حبيب بيتها عنه ، فقال لها عبد الرحمن مداعبا حين استظلّت بظله في الأندلس : لقد عذّبتني بريح إبطيك يا تكفات على ما كان بي من الخوف ، وسطعتني « 2 »
هامش
( 1 ) هذا الكلام غير مستقيم ، فإن دير حنا يحدده ياقوت بأنه « دير قديم بالحيرة منذ أيام بناه المنذر لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع » فلعل أصل العبارة « بدير خالد » وهو دير بدمشق مقابل باب الفراديس ، وأصل اسمه « دير صليبا » إلا أن سيف اللّه خالد بن الوليد لما حاصر دمشق نزل فيه فنسب إليه ، ( انظر معجم البلدان 2 : 507 ) .
( 2 ) في ب : وسعطتني .